غالب البنا

استفاق متأخرا على عمله ، ولكن تأخيره لم يثنه عن القيام بطقوس الصباح التي تعود عليها والتي تستهلك من وقته المضغوط الكثير ، بدأ ينظر للساعة مندهشا من مرور الوقت كالبرق وهو يلبس ملابسه ثم قرر أن يسرح شعره في السيارة عند تلك الاشارة المرورية المملة لعله يختصر دقيقة من وقته المهدر ، أثناء غلق باب الشقة تذكر ساعته التي أحس بعري معصمه من دونها ، فتح باب الشقة من جديد وأخذ الساعة بين أصابعه وكيس القمامة الأسود ، وأغلق الباب موقنا هذه المرة أن عتاده صار في جيبه وبين أصابعه (الجوال - المفاتيح - الساعة - المشط - كيس القهوة الذي وعد به زميله في العمل - اضافة لكيس القمامة ..) .

سابقت أرجله بعضها وهو ينزل درج المنزل برشاقة رغم وزنه الذي لا يؤهله للعب هذا الدور ، ألقى بكيس القمامة في الحاوية الجانبية واتجه الى سيارته مهرولا ..

لم تكد سيارته تطلق شهيقها الا وكان انطلق في ذاك الطريق الذي حفظه عن ظهر قلب كيف لا وقد اعتاد أن يسلكه كل صباح منذ مدة طويلة ، قام بمهمة تسريح شعره التي أجلها عند الاشارة الضوئية سيئة الصيت ، ثم تابع هوايته الشبابية في السرعة والتي كان يخفف منها كلما تذكر عقود عمره الأربعة التي كانت تقوم مقام مكابح سيارته التي نادرا ما يستخدمها .

وصل الى المكتب أخيرا في زمن قياسي أراد أن يقدره وهنا كانت المفاجأة فقد فوجيء بمعصم يده خاو !!

عاد بذاكرته وأراد أن يقنع نفسه أنه نسي ساعته في الشقة ولكن لم يكن الفارق الزمني كاف لاقناعه بما تمنى ، فهو متأكد من أنه عاد بها بيده عندما تذكرها ، بحث تحت مقاعد السيارة وفي أدراجها عبثا ، لا أثر لها ..
قرر أن يقنع نفسه عنوة أنه نسيها في الشقة ، فلا مناص عن ذلك فهو ان لم يفعل فلن يستطيع التركيز في عمله الذي يتطلب ذهنا صافيا .

انقضت سويعات العمل الثمان سريعة ، وعاد أدراجه ممنيا النفس بأن يجدها فهي لم تكن ساعة عادية انها أغلى ساعة لبسها في حياته كانت أهديت له نظير عمل أداه لأحد أصدقائه ورفض أن يتقاضى أجرا له بحكم أنفته ومجاملاته المعروفة عنه والتي وسمت شخصيته ، وعرف بها في محيطه الاجتماعي .

فتح باب الشقة سريعا بحث عنها دون جدوى ، عاد يستذكر خطواته الصباحية فوصل لنتيجة مفادها أن الساعة ألقيت في حاوية القمامة برفقة ذاك الكيس الأسود اللعين .

خطرت له فكرة مجنونة فلم لا ينزل الى الشارع الجانبي ويبحث عنها في حاوية القمامة العامة ، وبينما هو يتداول الفكرة بين خجله المعهود ورغبته الجامحة في استعادة أحد أثمن مقتنياته الشخصية ، قرر أن يخوض التجربة .
نزل الى الشارع بهدوء ثم ألقى نظرة على الحاوية كانت قد امتلأت بشتى أصناف القاذورات ، وكان الذباب الصيفي بالمئات يمارس هواية التحليق والانزال الحر ، لم يستطع أن يقترب أكثر فهو معروف في حيه بكبريائه بل قد ينعت بالتكبر والتعالي ممن لا يعرفه عن قرب .

وما زاد من تردده وجود العديد من المارة في هذا الوقت من النهار ، تقدم بعيدا عن الهدف حتى خفت الحركة في الشارع ثم عاد وبحركة لا ارادية وبقوة رجلان أو ربما ثلاثة قلب الحاوية رأسا على عقب وانتشر الذباب معلنا غضبته من هذا الزائر المزعج ، وما ان تعرف على كيسه الذي يعرفه من محتوياته حتى سحبه ورمق بعينه الساعة فأخرجها غير مصدق لما رأى متمتما : (المال الحلال لا يضيع) ، وهاهو يكتب لكم ماجرى اليوم بعد حمام ساخن استغرق ساعة كاملة ، حسب ساعته السويسرية ماركة (DELMA) .
0 تعليقات

إرسال تعليق

بلدان زوار المدونة

free counters