غالب البنا

اتفق علماء اللغة والتراجم ، وخبراء معامل اللغات أن الأفعال الأكثر شيوعا (استخداما) في اللغة الانجليزية هي الأفعال الشاذة وبعض الأفعال الحسية والحركية ، وعلى جميع الأطفال والمبتدئين اتقان وحفظ تلك الأفعال قبل الشروع في دراسة اللغة الانجليزية بشكل موسع، للأسف فمعظم مناهج اللغة الانجليزية تهمل تلك الدراسات المبنية على احصائيات دقيقة ، أورد لكم فيما يلي تلك الأفعال الأكثر شيوعا مع أمثلة على استخدامات كل فعل بهدف تعميم الفائدة وحرصا على بداية سليمة في الخوض في دهاليزتلك اللغة العالمية :


accept يوافــق


He asked her to marry him, and she accepted


allow يسمـــح


Don't allow your children to raise their voice


ask يســأل


If you don't know the answer, ask your friend


believe يعتــقد - يؤمــن


I believe that most students don't like reading


borrow يستعـير


I went to the library to borrow some books


break يكسر - يقطع


The boy broke his leg whan he fell down


bring يحضــر


Bring your notebooks with you next time


buy يشــتري


I don't have enough money to buy a new car


be able /can يستـطيـع


Sami can (is able to) speak English for five minutes


cancel يلــغي


The meeting was cancelled because I didn't come


change يغير- يتغير


My chair was broken, so I changed it


clean ينظف


Your room is very nice. You clean it everyday


comb يمشط – يسرح شعره


The girl combed her hair quickly, and went out


complain يشكو من- يشتكي


The workers complained about the shortage of food


cough يسعل - يكح


He has got cold. He coughs a lot


count يعــد - يحسب


No one can count the stars of the sky


cut يقص - يقطع


This cloth is large. Cut it into two parts


dance يرقـص


In the party, we had dinner, listened to music, and danced


draw يرسم


The child is able to draw a beautiful picture


drink يشرب


I am thirsty. I think I want something to drink


drive يقود (سيارة)


It is a good thing to drive slowly on the curved roads


eat يأكل


I am hungry. I think I want something to eat


explain يوضح


I didn't understand your idea. Could you explain more


fall يسقط


Tree leaves fall in the autumn season


fill يملأ


We are travelling to a far place. We need to fill the tank


find يـجــد


I searched for my keys everywhere, but didn't find them


finish ينتهي من- ينتهي


After you finish reading, turn off the lights of the room


fix يصــلح - يثبت


My computer printer doesn't work. I will have it fixed


fit يناسب - يطابق


The new suit fits the color of my shoes


fly يطـير - يسافر


Most birds can fly to very high distances


forget ينسى


I can't remember your name. I forgot it


give يعطي


I need a paper. Give me one, please


go يذهب


Students go to school every morning


have يملك


I have three books, three pens, and a ruler


hear يسمع


Raise your voice. I can not hear you clearly


hurt يجرح - يؤلم


My lungs hurt me whenever I cough


know يعرف - يعلم


Do you know where my brother went


learn يتعلم


I like English. So, I want to learn it


leave يغادر


Don't leave the class until you finish writing the exercise


listen يستمع (إلى)


I don't like listening to music in my room


live يسكن - يعيش


I live in Saudi Arabia, while John lives in the USA


look ينظر (إلى)


Look at the picture to find the bird


lose يخسر - يفقد


The football team lost three games and won four


make/do يعمل – يفعل – يقوم بـ


I made some mistakes when I did the exercise


need يحتاج


I am busy now. I need another person to help me


open يفتــح


When the class door is closed, don't open it


close/shut يغلــق


It is too cold here. Would you please close/shut the window


organize ينظم – يرتـب


The room is untidy. You should organize your things


pay يـدفع


You have to pay $10 for the ticket to watch the game


play يلـعب


My brother and I like playing computer games

غالب البنا

كنت تعهدت لنفسي أن أوازن بين كتاباتي الشخصية ، والمنقولات مما راق لي ، ولكني اعترف بنقض العهد لأسباب عدة منها ضعفي أمام الابداعات المتراشقة أمامي من كل حدب وصوب ، وثانيها الوضع العملي والنفسي الذي يلفظ كتاباتي ويأبى أن يتمها بعد أن أبدأ بالموضوع لذا فليعذرني الجميع ولتكن استراحتي تلك استراحة المحارب ، وآخر تلك الابداعات التي جيشت عواطفي وألهبت مشاعري تلك القصيدة الجريئة التي نظمها الدكتور أحمد حمدي والي والتي ألقاها على مسامع الحضور في المؤتمر العام لنصرة غزة المنعقد في مدينة المنصورة في أرض الكنانة ،ورده الدامغ على القرار "السيادي" بتشييد سور فولاذي يطبق الحصار على الصامدين المرابطين في غزة أرض العزة والفخار، ومني للدكتور والي أرق مشاعر العرفان وحقا مصر قد تخنق ولكن لا تموت برجالاتها المخلصين وما أكثرهم وان همشوا ، وما أخفت أصوات تلك الثلة من المرتزقة وان فتحت لهم جميع الابواق ، وسخرت لهم مئات المنابر ، اليكم القصيدة ولكم الحكم :


شيِّد جدارك

واصنع من الفولاذ عارك

وانقش على سيناء وشْم الذل ولتكشف عوارك

أسكرتنا كذبًا.. وسُقت على مسامعنا من الزور انتصارك

أغلقتَ ظهر الأرض كيْما يذعنوا

فتألقوا في صبرهم.. وهُزمت أنت ومَن أثارك

ألجأتهم بطن البسيطة علّهم

أن يدخلوا بعض الدواء إذا تعَاظم جرحهم

أو يدخلوا بعض الطعام إذا تجبَّر جوعهم

وأَبَـيْت ذاك... فرُحت ترسل مستشارك

من أي "غيـْطٍ" جاء لا أدري.. فما ذنب الكنانة كي تُنـصِّبها حمارك

ليقول للدنيا بأن الغدر شيمتكم

وأن سيادة الأوطان أن تقتل جارك

وسيادة الأوطان يلزمها جدارٌ يمنع الأنفاق أن تكسو الصغار

ويُؤمِّن المحتلَ في تلك الديار

فغدوتَ تُصليهم حصارك

شيِّد جدارك واحشد عليهم ألف سجان..

وقل للعلقمي كفيتكم.. فاحفظ تتارك

واقرأ على الأعداء سِفر الذلِّ.. ثم اقرأ على نعش العروبة ما تيسر من "تبارك"

واشرب مع الأقزام من حكامنا

نخْب الفضيحة من دموع صِغارنا.. والعن صَغـَارك

ما عاد يؤلم أهل غزة فعلكم

مَن يطلب النصرة ممن.. قد تصَهْين أو تَمَارك

لو كنت حرًّا ما فعلت.. ولا أسأت لمصرنا

ولَصُنت في الدنيا دِثـَارك

لكنني والكل يعلم واثقًا.. ليس القرار هنا قرارك

لن تغفر الأجيال سوء فعالكم

وشواهد التاريخ لن تنسى عِثارك

شيد ففوق العرش ربٌ قادرٌ

والشعب فوق الأرض يشتاق اندحارك
غالب البنا



القصيدة للشاعر العملاق بدر شاكر السياب يروي فيها لحظات الوداع الأخير عندما تتراءى له ذكريات الأمس بأدق تفاصيلها :
والتف حولك ساعداي ومال جيدك في اشتهاء


كالزهرة الوسني فما أحسست إلا والشفاة فوق الشفاة وللمساء


عطر يضوع فتسكرين به وأسكر من شذاه


في الجيد والفم والذراع


فأغيب في أفق بعيد مثلما ذاب الشراع


في أرجوان الشاطئ النائي وأوغل في مداه


شفتاك في شفتي عالقتان والنجم الضئيل يلقي سناه


على بقايا راعشات من عناق ثم ارتخت عني يداك


وأطبق الصمت الثقيل يا نشوة عبرى وإعفاء على ظل الفراق


حلواَ كإغماء الفراشة من ذهول وانتشاء


دوما إلى غير انتهاء


يا همسة فوق الشفاة ذابت فكانت شبه آه


يا سكرة مثل ارتجافات الغروب الهائمات


رانت كما سكن الجناح وقد تناءى في الفضاء


غرقي إلى غير انتهاء مثل النجوم الآفلات


لا لن تراني لن أعود هيهات لكن الوعود


تبقى تلحّ فخفّ أنت وسوف آتي في الخيال


يوما إذا ما جئت أنت وربما سال الضياء فوق الوجوه الضاحكات


وقد نسيت وما يزال


بين الأرائك موضع خال يحدق في غباء


هذا الفراغ أما تحس به يحدق في وجوم هذا الفراغ


أنا الفراغ فخف أنت لكي يدوم ! . هذا هو اليوم الأخير ؟!


واحسرتاه! أتصدقين؟ ألن تخفّ إلى لقاء؟


هذا هو اليوم الأخير فليته دون انتهاء !


ليت الكواكب لا تسير والساعة العجلى تنام


على الزمان فلا تفيق! خلفتني وحدي أسير إلى السراب بلا رفيق


يا للعذاب أما بوسعك أن تقولي يعجزون


عنا فماذا يصنعون لو أنني حان اللقاء


فاقتادني نجم المساء في غمرة لا أستفيق ألا وأنت خصري تحت أضواء الطريق ؟!


ليل ونافذة تضاء


تقول إنك تسهرين أني أحسّك تهمسين


في ذلك الصمت المميت ألن تخف إلى لقاء


ليل ونافذة تضاء تغشى رؤاي وأنت فيها ثم ينحل الشعاع


في ظلمة الليل العميق ويلوح ظلك من بعيد وهو يومئ بالوداع


وأظل وحدي في الطريق.
غالب البنا

كان الرجل الذي ناهز الستين من العمر جالسا على كرسيه باسترخاء ينفث دخان الشيشة (النرجيلة) القابعة إلى جواره بهدوء .. ويراقب ذلك الدخان الخارج من فمه وهو يرسم خطوطا عشوائية .. لا معنى لها .. بينما بدأت الخواطر تمر في رأسه .. بالكسل نفسه الذي يتملكه وبمرارة غيرت طعم الشيشة التي يدخنها .

كان يتابع زوجته وهى رائحة غادية تمارس أعمالها المنزلية بثوبها الفضفاض الذي يحيط بجسد أتسع محيطه كثيرا بينما ظهرت بعض التجاعيد على وجهها أضافت إليه مسحة من الطيبة والحزن في آن واحد .. كانت تمسح الغبار عن الأثاث بنفس الهدوء المعتاد عندما خطر له فجأة .. أين المرأة التي تزوجتها منذ ثلاثين سنة تلك المرأة الرشيقة الناعمة التي كانت ضحكتها تجلجل في أرجاء المنزل فتزلزل كياني ؟! أين هي ... هل يعقل أن تكون هذه العجل السمينة هي تلك المرأة نفسها ، ما الذي يجبرني على العيش مع هذه المرأة إنها لا تمت إلى الأنوثة بأقل صلة ، كانت هذه الخواطر تدغدغ خاطر الرجل وهو ينفث دخان شيشته ويتأمل امرأته بهذه النظرة التي تترجم أفكاره عندما حانت التفاته من زوجته والتقت نظراتهما وكأنها قرأت ما الذي يدور في خلده فأطرقت بخجل و دونما توقف أكملت على عجل أعمالها المنزلية.

أدار الرجل محطة تلفزيونية ما فإذا بأغنية تصدح بإيقاعها السريع الراقص وعشرات من الصبايا يتلوين بأجسادهن الرشيقة وغلالات شفافة ضيقة ذات ألوان براقة تلف أجسادهن الراقصة فتزيد من إثارة تلك الأجساد التي جعلت صاحباتها وكأنما هن فراشات ملونة .. أو حوريات من حوريات البحر يتمايلن على أنغام أغنية تمجد الصبا نظر الرجل بأسى .... قال في نفسه هكذا فلتكن النساء أما امرأتي هذه .. فبالكاد تسمى الآن امرأة بل ربما لا أغالي إذا ما قلت أنها تنتمي إلى جنس ثالث لا أدرى ما أسمه .. ولربما ليس له أسم.. فهي ليست امرأة .. وليست رجلا ولا أي شيء على الإطلاق أنها.... لا أدري.... ربما كانت أماً .. أماً فقط ...... لكنها ليست امرأة بالتأكيد .

في هذه الأثناء كانت ملامح المرأة تتقلص في امتعاض ملحوظ وكأنها بطريقة أو بأخرى تنصت إلى أفكار زوجها فيتملكها الغضب ولكنها مع ذلك تحاول أن تعيد ملامحها إلى مكانها الطبيعي وهى تكمل عملها بهدوئها المعتاد .

فجأة .. رن الهاتف .. فأندفع الرجل قائما ليرد على الهاتف فإذا به يصرخ صرخة مدوية ويمسك ظهره بكلتا يديه قبل أن يكمل وقوفه تركت المرأة المكنسة وركضت إليه .. كان ظهره قد تيبس في منتصف الطريق بين الجلوس والوقوف .. أخذت المرأة تدلك له عضلات ظهره وهى تقول :

ألم ينصحك الطبيب ألا تقف بسرعة يا رجل .. مالك لقد بلغت الستين ولم تعد ابن عشرين سنة وللعمر حقه ، عضلاتك لا تستجيب لاندفاعك فلماذا تفعل هذا بنفسك كل مرة.

هذه المرة .. أطرق الرجل عينيه إلى الأرض خجلا .

بقلم الكاتبة المبدعة لبنى محمود ياسين - منقول -

غالب البنا


لم ينطق لسانه لغة الضاد ، لم يرضع العروبة ولم ينتسب لها أصلا ولا فرعا ، لم يسجد لله سجدة ، منافح شرس عن قضايا الأمة العربية والاسلامية ، يقرن القول بالعمل ، نائب بريطاني ، أطلق حملة شريان الحياة لكسر الحصار عن غزة وقادها آلاف الكيلومترات مع عدد من البرلمانيين الاتراك والاوربيين ، وصف دولة اسرائيل بالدولة الارهابية ، انه متحرر في كل شيء الا من انسانيته .

جورج غالوي أنا أحبك ، فأنت أخي في الانسانية وربما أخ لك لم تلده أمتك !!

أنت أقرب لي من آلاف من الأفاكين والأعراب الذين تسري في عروقهم دمائي ، انت اعلم عندي من كثير من العمائم الجوفاء التي أرست للعار جدارا ، ومداد كلماتك الثائرة على الظلم أشرف عندي من كل فتاوى المنبطحين من بني جلدتنا .

هل تجشمت عناء السفر والمبيت في الصحاري وعلى الطرقات ارضاء لنزواتك ـ أم هل عانيت الاذلال والقهر على يد جلاوزة أنظمة العهر لترسي لنفسك قصرا في فلسطين !!

سأعلم أولادي من هو جورج غالوي ، كما سأعلمهم من هم مشايخ الخزي والعار الذين يفتون بالقطعة حسب الطلب !!

لقد فضحتهم وجردتهم من آخر قطعة تستر عوراتهم المقززة ، وشتان ما بين صوت الحق الصادح ، ونعيق الغربان التي تسبح بحمد أسيادهم وأرباب نعمتهم صبحة وعشيا .

"الشيخ" الطنطاوي ، أو كما وصفه الجميع بال"مستر" انسلخ عن جلدته الدينية والشرعية و صار يفتي حسب الإملاءات الأجنبية بينما صار الأجنبي الشجاع الباسل يعطي دروس وفتاوى و يضرب أروع أمثلة الوفاء للدين والوطن ويتعهد بكشف الذل عن المستضعفين العرب والمسلمين اليوم وغدا ولو كره المشركون وأذيالهم .

هذا البطل الرائع أعطى درسا في التضامن والتآخي والإنسانية وتمسك بإنسانيته التي فطره الله عليها و بمبادئه القيمة الشريفة وعرى وكشف زيف الخونة المخزيين الملعونين من الله .

ان الله عز وجل يمهل ولا يهمل فهو القائل :" فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون" .

ان كنت يا جورج غلوي قد تخلّيت عن دين آبائك وأجدادك ، فطوبى لك مجدا في الدنيا وعزة في الآخرة ، وإن لم تكن قد فعلت بعد فلا أرجو من الله إلاّ أن يكتب لك حسن الخاتمة ، وتكون بذلك مصداقا لقول الله (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ) .
فانه لا يفعل فعلك إلاّ رجل عاش بنخوة عربيّة ، ولا يقوم بدورك إلاّ من باع نفسه لله ،ولا يقف مواقفك الشجاعة إلاّ من كان همّه الآخرة لا الدنيا (راجع تدوينتي قبل أشهر " نور الاسلام هل يعود غريبا من الغرب ").
انك أطلت لحيتك نعم ،وعندما سُئلت عن الإسلام لم تنطق إلاّ بخير ،ولكنّك لم ترض أن تقول أعتنقته دينا تدين به الى الله أم لا .
نسأل الله رب العرش العظيم لك الهداية ، وحسن الخاتمة ،فمن لم يشكر الناس لم يشكر الله ،وفضل جورج غالوي على الأمّة العربيّة الإسلاميّة لا يُنكره إلاّ جاهلٌ أو متعامٍ .

جورج غالوي اني أحبك !
غالب البنا

القصة للكاتب الايراني الشهير (صادق هدايت) الذي كان صاحب مدرسة تشاؤمية في الأدب أدت به الى تغلغل اليأس الى اعماقه ومات منتحرا في باريس في العام 1951 م .

هدايت كان قوميا فارسيا يلقى اللوم على الفاتحين المسلمين والعرب في حال بلاد فارس التي وصلت اليها ، غادر ايران مهاجرا الى فرنسا ولكن احلامه الشعوبية القومية عادت به لموطنه الأم ، بعد أن عاش ملذات الحياة الغربية ، فلم يستطع التأقلم بعد مشاهداته القاسية ومعاناته وغربة الوطن التي أرهقت فكره ، فعاد لباريس وفي داخله صراع الاممية التي يحلم بها والحرية المفتقدة .

القصة رمزية بطلها كلب شارد تمثلت فيه شخصيته التشاؤمية ذاتها ، وسرد من خلالها غربته داخل وطنه وقسوة آلامها ، ورغم اختلافنا معه فكرا ومسلكا الا اني اعرض القصة كاملة لما فيها من قيمة أدبية جديرة بالاطلاع .


كانت هنالك مجموعة من المحال التجارية الصغيرة المكونة من مخبز، ومحل جزّار وآخر للعطارة، ومقهيين، وصالون حلاقة تحيط بساحة مدينة (ورامين)، وكان أصحاب تلك المحال التجارية الصغيرة يكدحون طوال اليوم للحصول على لقمة عيشهم، وتأمين الحد الأدنى من ضروريات الحياة، وبينما كانت شمس الصيف المحرقة تسطع بأشعتها القهّارة على ساحة ورامين ومن فيها من البشر، راح الناس الذين كوت وطأة الحر وجوههم ينتظرون بشائر نسيم الغروب وهبوط ظلام الليل بفارغ الصبر؛ فقد كان الحر شديدا لدرجة تعطلت معها مظاهر الحياة والحركة في الساحة، وانتاب الناس والمحال والأشجار وحتى الحيوانات وجوم وسكون مطبق، إذ إن الهواء الحار كان يثقل كاهلهم كما كان الغبار الناعم يتكاثف باستمرار ويحجب عن نواظرهم زرقة السماء جراء حركة سيارات دؤوبة لا تنقطع.على جانب الساحة كانت تقوم شجرة صفصاف هرمة عفى عليها الزمن وتداعى ساقها وتساقطت أجزاء منه بفعل توالي الأيام والسنين؛ ولكنها أرسلت أغصانها المعوجة المكسوة بالأوراق الصفراء فغطت جزءا من الساحة، و أقيم تحت ظل أوراقها المغبرة كشك عريض وكبير ليكون دكاناً لصبيين صغيرين كانا يبيعان بذور الكوسى وحلوى مصنوعة من الحليب والرز، وكانا يروجان لسلعتيهما بصوتٍ جهوري، و كان الجدول الذي يمر من أمام المقهى بمائه العكر المخلوط بالطين ينساب بصعوبة بالغة، أما البناء الوحيد الذي كان يشد الأنظار حول الساحة فهو برج ورامين المشهور الذي بدا للعيان برأسه المخروطي وجسمه المتصدع، وقد صنعت العصافير أعشاشاً لها في شقوقه وتصدعاته، وبدت تلك العصافير- وقد أعياها الحر- خاملة تصارع النعاس؛ بينما كان يخيم على ساحة ورامين صمت مطبق لا يقطعه إلا عواء كلب كان يتكرر من حينٍ إلى آخر؛ إنه كلب من سلالة اسكتلندية ذو وجه رمادي مائل للاصفرار، وأرجل مشوبة ببقع سوداء تبدو وكأنها غاصت في وحلٍ أسود آسنٍ تناثر عليها، وله أذنان مخروطيتان وذيل برّاق وشعر ملتف ومتسخ، بينما كانت عيناه اللتان تشبهان عيني إنسان متوقد الذكاء تسطعانِ وسط وجهه الشعور، وكأن روحاً إنسانية تُشاهد في أعماقها.في منتصف ذات ليلة مفعمة بالحياة، كان يموج في نواظره شيء لا نهاية له، ذلك الشيء كان بمثابة رسالة من الصعب إدراكها، رسالة عصية على الفهم عالقة وراء أحداق عينيه، لم تكن تلك الرسالة على هيئة نور أو لون؛ بل كانت شيئاً آخر لا يمكن تصوره، إنه شيء شبيه بتلك الحالة التي لا تشاهد إلا في عيني غزالٍ جريح، فقد كانت عينا ذلك الكلب تشبهان عيني الإنسان إلى حدٍ بعيد يصل إلى درجة التطابق، فعيناه الوادعتان الحائرتان المليئتان بالألم والمعاناة والترقب لا يمكن مشاهدتهما إلا في وجود كلب حائر تائه، بدا وكأنه لا أحد يقدر على إدراك نظراته المؤلمة المتضرعة.كان صبي المخبز يعمل على ضرب هذا الكلب بقسوة أمام مخبزه، كما كان يتعرض للرجم بالحجارة أمام الجزار، وحينما كان يأوي إلى ظل سيارة ما ليستريح من عنائه كانت ركلات حذاء السائق المرصع بالمسامير في انتظاره، وعندما كان الجميع يتعبون من إيذائه وتعذيبه كان الصبي بائع الرز بالحليب ينهال عليه ضرباً بالحجارة، فيختلط عواء الكلب بقهقهات الصبي الشامت الذي كان يشتمه بقوله:"أيها الكلب الملعون"! و يبدو أن إيذاء الصبّي للكلب كان يروق للآخرين فيشجعونه من طرف خفّي وبكل لؤم وخبث بضحكاتهم وقهقهاتهم؛ فهم يضربون هذا الكلب مرضاة لله تعالى؛ إذ إن إيذاءه من وجهة نظرهم كان أمراً طبيعياً للغاية؛ فهو كلب نجس وملعون في الدين وله سبعون روحاً وتعذيبه مدعاة للمغفرة والثواب.في نهاية المطاف أمعن الصبي بائع الرز بالحليب في إيذاء الكلب الذي اضطر للفرار صوب الزقاق المؤدي إلى البرج، واستطاع هذا الكلب الجائع أن يجر جثته المتداعية وأن يلجأ إلى جدول ماء، ثم وضع رأسه على يديه وأخرج لسانه من فمه، و بين النوم واليقظة راح يحدق بالسهل الأخضر الذي كان يموج بخضرته أمام ناظره، فقد كان جسمه متعباً، وكان الألم يسري في جميع أوصاله، لكن هواء الجدول العليل البارد أسبغ عليه إحساساً بالانتعاش الذي سرى في كل وجوده.انبعثت الروائح المختلفة من الأعشاب الخضراء المائلة للصفرة، ورائحة حذاء قديم مبلل بماء الجدول بالإضافة إلى روائح الأشياء الحيّة والميتة المحيطة بالكلب المنهك؛ وأيقظت فيه هذه الروائح ذكريات بعيدة ومبهمة، وكلما كان ينظر إلى المرج الأخضر الممتد أمامه، كانت ميوله الغريزية وكل ذكرياته تحيا وتستيقظ في مخيلته من جديد، فقد كانت هذه التداعيات التي أيقظت أحاسيسه هذه المرة مختلفة عن كل المرات السابقة؛ إذ استيقظت بقوة وكأن صوتاً كان يهمس في أذنيه ويلح عليه بالنهوض والوثب والقفز، وانتابته رغبة جامحة بأن يركض في هذه المروج الخضراء وأن يقفز كيفما يشاء، لقد كان هذا إحساساً موروثاً لديه، فأجداده كانوا قد تربوا جميعهم بحرية في مروج اسكتلندا الخضراء، إلا أن التعب والارهاق كانا قد نَالا منه وحالا دونه ودون أي حراك، وانتابه إحساس مؤلم ممزوج بالضعف والعجز أدى إلى ثورة متدفقة من المشاعر والأحاسيس المنسية الضائعة، فقد كانت حياته السابقة تسير ضمن نظام خاص يلبي جميع احتياجاته، كان يلزم نفسه بإطاعة أوامر صاحبه ويسارع إليه دونما تردد، كلما كان يناديه لطرد شخصٍ متسلل أو كلب غريب اقترب من حريم المنزل، أو عندما كان يستدعيه من أجل اللعب مع أطفال العائلة، وكان يتناول طعامه ويحظى بمداعبات صاحبه في أوقات معينة أيضاً، بيد أنه أصبح الآن فاقداً لكل هذه الامتيازات، وهمه الوحيد الحصول بخوف وفزع على قليل من الطعام من القمامة، على الرغم من تلقيه الضربات والكدمات طوال اليوم دونما أدنى مقاومة أو دفاع عن النفس باستثناء العواء؛ فقد أصبح العواء سلاحه الوحيد لدرء كل هذا الظلم؛ في حين كان في السابق جريئاً وشجاعاً ونظيفاً ومفعماً بالحيوية والنشاط، أما الآن فأصبح جباناً وذليلاً ويفزع من أدنى صوت أو حركة، حتى أنه أصبح يخاف من نباحه وعوائه، واعتاد على القذارة والاقتيات من حاويات المهملات والقاذورات، وكان يحس بحكة في جميع أنحاء جسمه ولم يكن لديه حافز للعق بدنه أو نزع ما علق به من حشرات وبراغيث كانت تلدغه باستمرار، كان يشعر بأنه أصبح مهملاً كالزبالة والنفايات، وأن جذوة الحياة التي كانت تتقد في أعماقه قد خبت وماتت.مرّ على هذا الكلب عامان كاملان منذ أن وقع في هذا الجحيم، وخلال هذين العامين لم يظفر بوجبة طعام كاملة كما لم تذق جفناه طعم نوم هادئ، وبدا وكأن جذوة مشاعره ورغباته قد انطفأت منذ أمد بعيد، إذ انقضت سنتان من عمره دون أن تمتد إليه يد عطوفة فتربت على رأسه أو ينظر أحد في عينيه نظرة معبرة، فظاهر الناس هنا يشبه ظاهر صاحبه إلى حد بعيد، ولكن يبدو أن أخلاق ومشاعر صاحبه بعيدة عن أخلاقهم ومشاعرهم بعد السماء عن الأرض، و أناس بيئته السابقة قريبون جدا من عالمه ودنياه لأنهم كانوا يفهمون آلامه وآماله جيداً وكانوا يوفرون له الأمان والاستقرار.من بين الروائح التي كانت تزدحم في مشامه رائحة كانت تسبب له الدوار، وهي رائحة الحليب بالرز الذي كان يبيعه الصبي جانب الساحة، إنه الحليب، هذا السائل الأبيض الذي يشبه حليب أمه إلى حد بعيد، كان يجسد في مخيلته ذكريات طفولته، فأمام هذه الدفقة الغزيرة من الذكريات انتابته حالة مفاجئة من اللاشعور والاستغراق في المكاشفة والذكريات، وجال في خاطره أيام كان جرواً رضيعاً يرضع من ثدي أمه،و يقتات من ذلك السائل الأبيض الدافئ المغذي، بينما كانت أمه تغمره بحنانها وتلعق بدنه بلسانها الناعم لتنظيفه مما علق به، وتذكر تلك الرائحة النفاذة التي كان يشمها، بينما كان يرقد مع أخيه في حضن أمهما؛ إنها رائحة أمه ورائحة حليبها النفاذة التي انبعثت في مشامه من جديد، فعندما كان يرتوي ويشبع من حليب أمه، كان يشعر بالارتياح الدافئ، لقد كان دفئاً سيالاً يسري في كل شرايينه وأوصاله، وحينما كان يحس بالارتواء والشبع كان النعاس يغلبه ويأخذه في سبات عميق، تعقبه ارتعاشات لذيذه تبث الحرارة والنشوة في كل كيانه، لقد كانت سعادته حين كان في أحضان أمه تفوق كل سعادة؛ فبمحض ضغطه بكلتا يديه على ثديها- على نحو لا إرادي -كان الحليب يتدفق منه دون أدنى تعب أو عناء، وبالإضافة إلى كل هذا وذاك فقد كان ملمس شعر أخيه الناعم وسماع صوت أمه التي لا تنفك تحنو عليه يغمره بفيض من النشوة والحنان ، وتذكر بيته الخشبي السابق كما تذكر لعبه ومرحه مع أخيه في تلك الحديقة الغناء المزدانة بالاخضرار، تذكر كيف كان يعض أذني أخيه اللولبيتين، وكيف كانا يسقطان أرضاً وينهضان ثانية ويركضان ويمرحان، وتذكر ابن صاحبه الذي كان يلاعبه ويداعبه أيضاً، وتذكر كيف كان يعضه من ثيابه ويطارده نابحاً حتى آخر الحديقة، وتداعت في مخيلته مداعبات صاحبه التي لن ينساها أبداً، كما لن ينسى حلاوة قطع السكر التي كان يأكلها من يديه، و تذكر كيف كان يحب ابن صاحبه أكثر من غيره؛ لأنه كان رفيقه في اللعب ولم يكن يضربه على الإطلاق، وتذكر كيف أضاع والدته وأخيه ولم يبق إلى جانبه سوى صاحبه وزوجته وابنهما وخادمهما العجوز، وما زال يشخّص ويميز رائحة كل واحد منهم جيدا؛ ويعرف وقع خطى أقدام كل واحد منهم من بعيد، لقد كان يدور حول المائدة وقت الغداء والعشاء وكان يستمتع برائحة الطعام، وكثيراً ما كانت زوجة صاحبه تناوله لقمة من المائدة – على الرغم من معارضة زوجها- إلى أن يأتي الخادم العجوز ويناديه (بات...بات) ثم يضع طعامه في وعائه الخاص إلى جانب بيته الخشبي.سُكر (بات) وجنونه كان سبباً لتعاسته ومعاناته؛ فقد كان صاحبه لا يسمح له بمغادرة المنزل والاختلاط بإناث الكلاب...وفي يومٍ من أيام الخريف استقل صاحبه السيارة مع شخصين آخرين كان (بات) يعرفهما جيدا لترددهما على منزل صاحبه مراراً وتكراراً، ثم نادوا بات وأجلسوه في السيارة إلى جانبهم، لقد سافر (بات) عدة مرات مع صاحبه بالسيارة لكنه هذه المرة كان ثملاً وواقعا تحت تأثير إثارة واضطراب شديدين، وبعد بضع ساعات من المسير ترجل الجميع من السيارة في هذه الساحة، ثم اندفع صاحبه ورفيقا سفره عبر الزقاق الذي يمر من جانب البرج ولكن رائحة نفاذة لكلبة كانت في ذلك المكان علقت في مشام بات صدفة؛ فأيقظت غرائزه فجأة وأثارتها لدرجة الجنون، إنها الرائحة التي كان بات يبحث عنها ويحلم بها باستمرار، فراح يقتفي أثر تلك الرائحة ويتحسس اتجاهها حتى قادته إلى أحد البساتين المسورة، فدخل البستان من خلال قناة ماء أوصلته إلى مبتغاه.عند الغروب، سمع بات صوت صاحبه وهو يناديه باسمه (بات...بات) ولكنه لم يكن متيقنا من ذلك، وترآى له أن ما سمعه كان صدىً شبيهاً بصوت صاحبه قد تردد في مسامعه، إن صوت صاحبه كان يترك وقعاً كبيراً في نفسه، لأنه كان يذكّره بكل التعهدات والالتزامات الملقاة على عاتقه؛ لكن قوة أقوى من كل المؤثرات الخارجية أجبرته على البقاء مع تلك الكلبة، لقد أحس بات أن مسامعه قد تخدرت، ولم تعد قادرة على سماع ما يجري حوله لأن الرائحة النفاذة لتلك الكلبة قد أيقظت غرائزه وأحاسيسه بعنف شديد وأصابته بالذهول والدوار؛ فلم تعد جوارحه وأعضاء بدنه طوع إرادته واختياره، و لم يمض طويل وقت حتى داهمه أصحاب البستان وأوسعوه ركلاً وضرباً بالعصي والفؤوس وأخرجوه من البستان من حيثما جاء.كان (بات) في هذه الأثناء ثملاً، ومنتشياً ومتعباً إلى حد ما، لكنه كان يستشعر الراحة والانتعاش أيضا، وما أن استفاق من سكرته وذهوله وعاد إلى حالته الأولى حتى بدأ بالبحث عن صاحبه ويتحسس أثره فلم يستشعر إلا بقايا ضعيفة من رائحة ما زالت عالقة في نهايات بعض الأزقة القريبة من الساحة، وراح يبحث عنه في تلك الأزقة وترك علاماتٍ مميزة عن نفسه في عدة مواضع علّ صاحبه يراها ويهتدي إلى مكانه، ثم وصل في بحثه عن صاحبه إلى الخرائب المهجورة خارج المدينة دون جدوى، فعاد أدراجه لأنه أدرك أن صاحبه رجع إلى الساحة ثانية، إلا أن رائحته الضعيفة ضاعت هناك بين الروائح الأخرى، و راح (بات) يسأل نفسه باستغراب: "هل غادر صاحبه المكان دون رجعة وتركه وحيدا؟" هذا التساؤل ولد في داخله إحساسا بالرعب والاضطراب، فكيف له أن يعيش دون صاحبه وولي نعمته، وهو بمثابة الرب والمعبود بالنسبة له؟ لكنه أمام هذه الهواجس والتساؤلات كان واثقاً من أن صاحبه سوف يعود للبحث عنه حول الساحة، فراح يعدو مذعوراً في عدة طرقات بحثاً عن صاحبه، لكن جهده ضاع سدى.في نهاية المطاف وعندما خيم الظلام عاد ثانية إلى الساحة متعباً مرهقاً ولم يعثر على صاحبه؛ فطاف في البلدة عدة مرات دون جدوى، ثم ذهب إلى حيث القناة التي التمَ عندها شمله مع خليلته أول مرة، لكنه وجد مدخل القناة الذي ينفذ إلى داخل البستان مغلقاً ومسدوداً بالحجارة ولم يستطع الدخول، راح بات يحفر الأرض بيديه بحرارة وحماس عله يستطيع الدخول، لكن الدخول كان محالاً، وبعد أن انتابه شعور باليأس والإحباط راح يغالب النعاس، وقد حال سور البستان والقناة المغلقة بينه و بين خليلته.استفاق بات منتصف الليل مذعوراً وقد أفزعه أنينه، وراح يتسكع في عدة أزقة على غير هدى يشتم الجدران والطرقات علّه يقع على أثر صاحبه، وبقى حائراً وهائماً على هذا النحو حتى بلغ منه الجوع مبلغه، وشعر بميل شديد للطعام، وعندما عاد إلى الساحة من جديد؛ تزاحمت في مشامه روائح ما لذَّ وطاب من الطعام، واختلطت رائحة اللحم برائحة اللبن والخبز الطازج، لكنه في الوقت نفسه كان يشعر بأنه مذنب لتعديه على حريم ملك الآخرين، وأيقن أن عليه أن يتسول من هؤلاء الأشخاص الذين يشبهون صاحبه للحصول على لقمة العيش، وبدا له أنه قد يستقر في هذا المكان وقد يجد من يأويه ويرعاه إن لم يأت منافس آخر ويطرده عنوة.تقدم (بات) باحتياط ووقف خائفاً مرتجفاً أمام المخبز الذي فتح أبوابه لتوه؛ وانتشرت من داخله رائحة الخبز والعجين النفاذة في جميع أرجاء الساحة، وبينما كان واقفاً أمام المخبز، تقدم نحوه رجل يحمل تحت أبطه بضعة أرغفة من الخبز؛ إنه صبي المخبز الذي راح ينادي بات بقوله: "تعال...تعال" لكن صوت ذلك الصبي لم يكن مألوفاً لديه، ومع ذلك فقد قذف له قطعة من الخبز الساخن، وتردد بات قليلاً قبل أن يلتهم قطعة الخبز تلك، وعندما أكلها راح يحرك ذيله شكرا وعرفانا لذلك الرجل، عندئذ وضع الرجل أرغفة الخبز جانبا وتقدم نحو بات بشيء من الخوف والاحتياط ماسحاً بيده على رأسه من قبيل التودد والتحبب، وحينما وجده وديعاً مسالماً، نزع السلسلة المعدنية التي كانت حول عنقه، وعندما أُنتزعت السلسلة أحس بات بالارتياح، وبدا له و كأنه قد تحلل من كل المسؤوليات والقيود والواجبات التي كانت تثقل كاهله، وما أن حرك بات ذيله واقترب من صبي المخبز حتى فاجئه بركلة قوية على خاصرته فعوى من شدة الألم وولى هارباً لا يلوي على شيء، بعد ذلك ذهب صبي االمخبز إلى جدول الماء وغسل يديه بعد أن علق على باب المخبز تلك السلسلة التي يعرفها بات جيدا وتم انتزاعها من حول عنقه.منذ ذلك اليوم بدأت معاناة بات فهو لم ير من أولئك الناس سوى الركل والضرب بالحجارة والعصي؛ كأنهم أعداء لدودون لا يتورعون عن الاستمتاع بإلحاق الأذى به، إزاء هذا الوضع كان بات يشعر أن القدر ساقه إلى دنيا جديدة لا ينتمي إليها بأي حالٍ من الأحوال؛ فهي تخلو ممن هو قادر على درك أحاسيسه وفهم مشاعره، لقد قضى (بات) الأيام الأولى من ضياعه بصعوبة وعناء، لكنه مع مرور الزمن اعتاد على ذلك الوضع الصعب بالتدريج، و بالإضافة إلى ذلك فقد تعرف على مكب للنفايات يقع في بداية المنعطف الواقع في أول الزقاق القريب من الساحة، و كان يقضي في ذلك المكب جزءاً من يومه يبحث بين أكوام القمامة عن قطع من الطعام الشهي كالعظام والشحوم والجلود وأنواع أخرى من الطعام لا يعرفها، كما كان يقضي ما تبقى من اليوم أمام المخبز ودكان الجزار، كانت عيناه تحدقان بيد القصاب عله يجود عليه بشيء يأكله من سقط اللحم، لكن نصيبه من الضرب والركل والإيذاء كان يفوق ما يتيسر له من دكان الجزار؛ إذ إنه اعتاد على النمط الجديد لحياته البائسة ولم يبق له من حياته السابقة سوى حفنة من تصورات مبهمة غامضة،وبقايا من روائح ما زالت عالقة بمشامه، و كان (بات) لا يتردد بالعودة إلى ماضيه وفردوسه المفقود كلما قست عليه ظروف الحياة على نحو يسترجع فيه ذكريات الماضي التي كانت تتجسد أمام عينيه بشكل لا شعوري، تلك العودة إلى دنياه القديمة كانت تمنحه نوعاً من تسلي الخاطر والصبر على قساوة هذا الواقع المؤلم المرير؛ لكن ثمة شيئا كان يطغى على أوجاعه وآلامه كلها؛ ألا وهو تعطشه الشديد للحنان، فحاله كانت كحال طفل لم ير سوى القمع والشتم والتحقير، لكن أحاسيسه ومشاعره الشفافة لم تنطفئ وما زالت تنبض بالحياة والحنان، وفي ظل هذه الحياة الجديدة القاسية والمليئة بالألم والحسرة والاضطهاد أصبح بات بحاجة إلى شيء من العطف والشفقة، وكانت عيناه الوادعتان الجميلتان تستجديان هذا العطف وكان على استعداد لأن يقدم روحه فداءً لمن يحنو عليه أو يربت على رأسه وكتفيه، كما كان تواقا لمصاحبة شخص ما، يبادله حباً بحب ووفاءً بوفاء، لكن يبدو أن العثور على شخص يحميه ويبلغه مأمنه ضرب من الخيال لأن عيون كل من كان يواجههم لا تشي إلا بالحقد والشر، وأيقن أن كل ما كان يقوم به من حركات للفت أنظار الآخرين إليه، ما كانت تثير إلا غضبهم وحنقهم عليه.أثناء تلك الحالة التي كان بات خلالها يكبو ويغالب النعاس داخل الجدول، ارتفع صوته بالأنين عدة مرات، واستيقظ على أثرها بفزع ورعب، و كأن شريطاً من الكوابيس المخيفة كان يمر في مخيلته، ثم أحس بجوع شديد ولا سيما لدى استنشاقه رائحة الشواء المنبعثة من صوب ساحة البلدة حيث أججت في أعماقه آلام وعذابات جوع قهار لا يرحم، طغت على كل آلامه ومصائبه الأخرى، نهض بات بصعوبة وتثاقل واتجه صوب الساحة بتردد وحذر.في هذه الأثناء وصلت سيارة إلى ساحة ورامين فأحدثت ضوضاء وأثارت التراب والغبار قبل أن يترجل منها رجل ويتجه نحو(بات) ويربت على رأسه وظهره، لكن ذلك الرجل لم يكن صاحبه؛ لأن بات كان يميز رائحة صاحبه جيداً ويعرفه حق المعرفة، و تسائل بات في نفسه كيف وجد من يداعبه ويعطف عليه! فحرك ذيله ونظر إلى ذلك الرجل بتردد وسأل نفسه ثانية: "ألم يخدع هذا الرجل حقاً؟" حيث لم يعد في رقبته سلسلة كي يداعبه أحد طمعا بسلبه إياهاّ، عاد الرجل ومسح بيده على رأس بات ثانية، ثم مضى في طريقه فما كان من بات إلا أن تبعه حتى دخل إلى غرفة كان بات يعرفها جيداً، لأن رائحة الطعام كانت تنبعث منها على الدوام، وكان هذا الرجل يجلس على أريكه وضعت بجانب الجدار، ثم احضروا له خبزاً طازجاً ولبنا وبيض دجاج وبعضاً من أطعمة أخرى، و بينما كان الرجل يتناول طعامه، كان يغمس قطعاً من الخبز باللبن ويلقيها أمام (بات) الذي راح يلتهمها في بادئ الأمر بشراهة ونهم حتى شبع ثم بدأ يأكل كالمعتاد، لكن عينيه الوادعتين اللتين تفيضان جمالاً وخضوعاً، بقيتا تحدقان بوجه ذلك الرجل اعترافاً له بالجميل، وبينما كان يحرك ذيله تعبيراً عن الشكر والعرفان كان يسأل نفسه: "هل هو في حلم أم في يقظة؟" فقد حصل على وجبة طعام كاملة دون أن يتعرض للضرب والاذلال، ثم سأل نفسه من جديد : "هل من الممكن أن يكون قد وجد صاحباً جديداً؟ " كان الحر على أشده عندما نهض ذلك الرجل وسار صوب الزقاق القريب من البرج، ومكث برهة من الزمن ثم تابع مسيره عبر ذلك الزقاق المتعرج، بينما كان بات يتبعه حتى خرجا من البلدة، عندئذ دخل الرجل إلى منزل خرب ومهجور لم يبق قائماً منه إلا بضعة جدران، وهو المنزل الذي كان صاحبه قد دخله ذات مرة، و جال في خاطر بات أن هؤلاء الناس ربما يبحثون أيضاً عن خليلات لهم، وقف (بات) في ظل الجدار إلى أن خرج الرجل من المنزل المهجور ثم عادا معا إلى ساحة الميدان عبر طريق أخرى، مسح الرجل على رأس بات ثانية ثم اصطحبه في نزهة سريعة مشياً على الأقدام في أرجاء الساحة، بعد ذلك استقل الرجل إحدى السيارات التي كان بات يعرفها، عندئذ وقف بات أمام السيارة بوجوم ولم يجرؤ على الصعود إلى السيارة، لكنه مكث واقفاً وعيناه مشدودتان إلى ذلك الرجل إلى أن انطلقت السيارة فجأة تاركة وراءها سحابة من الغبار، اندفع (بات) وراء السيارة على الفور؛ لأنه لم يكن على استعداد لفقدان هذا الرجل الذي أحسن إليه، و راح يركض وراء السيارة لاهثا وقد نال منه التعب والإعياء، ومع أنه كان في تلك الأثناء يشعر بآلام مبرحة في جميع أنحاء جسمه؛ إلا أنه استمر بالوثب خلف السيارة على أمل اللحاق بها، لكن السيارة التي كانت تنهب الطريق نهباً عبر السهول الممتدة، ابتعدت عن البلدة بسرعة، وقد تمكن بات من اللحاق بها عدة مرات إلا أنها كانت تتخطاه في كل مرة، لكن اليأس لم يكن يجد إلى قلبه سبيلاً، فكان يستجمع قواه ثانية ويستمر في الوثب والعدو السريع إثرها دون جدوى لأنها كانت أسرع منه.بدون شك كان (بات) مخطئاً في إصراره على اللحاق بالسيارة؛ لأن اللحاق بها كان يبدو أمراً محالاً، لقد أذعن بات للهزيمة وأحس بالعجز والانكسار، وشعر أن قواه قد خارت وأن أعضاء بدنه قد وهنت، وأصبحت خارجة عن سيطرته فلم يعد قادراً على القيام بأدنى حركة، وأدرك أن كل جهوده كانت عبثاً، ولم يعرف لماذا كان يركض خلف السيارة، كما أنه لم يعرف إلى أي مكان يذهب وأظلمت الدنيا أمام عينيه وضاقت به الأرض، ولم يكن بمقدوره أن يُقدم أو يحجم، وقف بات لاهثاً بشدة بينما كان فاغر الفم وقد خرج لسانه من فمه من شدة اللهاث، ولم يعد قادراً على مشاهدة ما يجري حوله جراء غشاوة سوداء تشكلت أمام نواظره.استجمع (بات) قواه وزحف بصعوبة بالغة وجثم إلى جانب الجدول الذي كان يمتد عبر المرج الأخضر المحاذي للطريق، ثم ألقى بجسمه المتداعي فوق رمال الجدول الدافئة الرطبة وأيقن بإحساسه الغريزي الذي لم يخدعه قط بأنه لن يكون قادراً على أن يبرح هذا المكان، ثم أحس بدوار أفقده توازنه كما أحس أن مشاعره وأحاسيسه قد أسودت ومُحيت تماماً، وبينما كانت عيناه تسطعان بنور خافت كان يعاني من آلام مبرحة في بطنه وأطرافه، و سرعان ما تحولت هذه الآلام إلى تشنجات شلّت يديه ورجليه وأفقدته القدرة على الحركة والإحساس، وتصبب عرق بارد على جميع أجزاء جسمه جعله يحس بشيء من الراحة والانتعاش ولكن إلى حين.كانت الشمس على وشك المغيب عندما جاءت ثلاثة غربان سوداء وراحت تحوم فوق رأس (بات)؛ و قد اشتمت رائحة بات المشرد من بعيد، حط أحد الغربان الثلاثة على مقربة من بات باحتياط وتفحصه بدقة، وعندما أيقن أن بات المحتضر لم يمت بعد؛ بل ما زال فيه رمق من حياة، حلق ثانية في السماء، وبداأن تلك الغربان الجارحة جاءت لاقتلاع عيني بات الوادعتين الجميلتين.
غالب البنا

أنا غريب ، وهي وحيدة ..
كلانا تحت طوفان من المطر
وذاك الأخير..كان يدغدغ كل خلية في جسدينا
رَنتْ إلي..حدَّثتني بعينيها ..
اخترقت كلماتها نوافذ قلبي
أحسست بشيء لم أشعر به من قبل
فتنتني بسحر صدق كلماتها فهربت منها..
تقصَّدت ألا أحدق في وجهها

تعمدت أن أهرب من بديع صوتها
حاولت أن أنظر إلى الأفق..الغيوم..
حبات المطر وهي تغسل وتحيي يباس روحي
لم أستطع أن تظل عيناي بعيدة عنها
قلت لنفسي:
هي اللهفة التي كنت أسمع بها،ولا أعي ما هي!!
هي الولادة الحقيقية
نعم.. النظر إلى عينيها ولادة حقيقية..
عدت وأطلت النظر..
فعادت لتحدِّثني من جديد وجسدها تكتسحه موجات حرارة
كتلك التي تعتري اجساد الأبرار
لتوغل صدورهم على الفجار
أيها الغريب:أنا وعيناي موطنك
مأواك صدري بين الضلوع
أنا البر في زمن الخنوع
أنا العشق في زحمة الدموع
فهمت نظراتها وبدأت كزوربا أرقص وأرقص
وكأن يدي ورجلي تحولتا إلى جناح عصفور
أيقظت جسدي وقلبي
بدأ قلبي ينبض بالفرح، وجسدي يرتعش بالحب
كنبتة بللها المطر كانت هيئتي
اقتربت منها..
رفعت قبعتي..
أمسكت بيدها
انحنيت بلا انكسار
و..
قبَّلتها..
بعدها..
انتصبت كراية النصر
دنوت من أذنها ، دغدغتها بأنفاسي
وهمست لها:
لقد وقعتُ في حُبِّكِ..
***************************
<> هي تبكيني وأبكيها ، تشتاق الي وأشتاق اليها ، ولكنا كلانا (لم نعذب بعد كي نعترف !!!) .
<> سماء زرقاء ، ليل ساج ، نجوم متلألأة ، موسيقى هادئة ، وصوت هدير المكيف يصفعني في أذني كي لا أحلم بأكثر من هذا !!
<> عاتبته : أي ولدي لماذا لم تلتزم بالصلاة في غيابي ؟ فقال لي : يا أبتي لا أحب أن تدخل النار وحدك !!
<> قلت لها ما معنى الحب ؟ أجابت : دقة قلب وعيون متسمرة وجوارح مجنونة ، قلت : وماذا بعد ، قالت : استح يا رجل !
<> في الصباح تقاتل في الجمعيات من أجل حقوق المرأة ، بعد الظهر تشارك في ندوات عن المرأة وشخصيتها المستقلة ، في المساء اجتماعات نسوية لتقييم وضع المرأة الريفية ، في آخر الليل حيث عاد " أسرعت اليه تخلع حذائه" .
<> لم تعد الوشوشات ترضي غروري أشعر برغبة في الصراخ ، لكن دون أن يسمعني أحد ، ولكن هيهات فكل من حولي ممن يتقنون استراق السمع .

بلدان زوار المدونة

free counters