غالب البنا

Al Jazirah NewsPaper Monday 23/07/2007 G Issue 12716
الرأي
الأثنين 09 رجب 1428 العدد 12716

السخرية بأدب - غالب فريد البنا - جدة

دار حديث ودي بيني وبين أصدقاء مقربين كانوا ينتقدون الأسلوب الصحفي الساخر لبعض الكتاب على ندرتهم، وكنت أدافع عنهم بضراوة كمحامٍ يدافع عن قضية تبناها.
فعبر التاريخ كان الأدب الساخر من أكثر الآداب تأثيراً إيجابياً على حركة المجتمع على رغم أسلوبه الذي يبدو في ظاهره سلبياً، وهذا ما يفسر الإصرار من جهات عدة على استئصاله أو محاصرته على الأقل، حتى إن تضييق الخناق عليه أفضى
إلى شحّ في روّاد هذا النوع من الكتابة حتى لم يتبقَّ منهم إلا القليل القليل.
وكانت حجة المعارضين الدامغة أن قسوة التعابير الساخرة ستفرز نتائج عكسية تجاه القضية المطروحة للنقاش وإن كانت محقة، وأنا وجدتها حجة واهية؛ فاطلبوا إذنْ من الجراح أن يتخلى عن مبضعه، وهو الذي يثخن منطقة الألم بالجروح ليداويها، واطلبوا من الحداد ألا يستعمل النار الحارقة التي يصهر بها المعادن ليخرج منها نماذج فريدة.
مَن منا لم يستمتع بكتابات المبدع (أحمد رجب) في الشقيقة مصر وعموده (نص كلمة) الذي قد يشغل البلد أياماً وأياماً، بل إن كلمة يسجنها بين هلالين قد تبدّل مزاج الرأي العام إلى
النقيض في بلد التسعين مليوناً، ناهيك عن القلمين الساخرين أنيس منصور ومحمود السعدني، وأعمال الساخرة جولييت خوري في بلاد الشام، وما أحدثته أقلامهم المتهكمة من قفزات وتبدلات ثقافية واجتماعية واقتصادية وحتى سياسية؟!
بل إنني أعرف قرّاء كثراً يشترون صحيفة ما كي لا يفوتهم ذاك العمود الساخر لكاتب استطاع أن يجير عصرة قلب مؤلمة إلى ابتسامة بعرض الوجه.
للأسف فإن هذا الأدب بدأ يتوارى رويداً رويداً والأسباب بينة؛ فابتعاد الكتاب عن نبض الشارع وهموم الناس سبب رئيس في افتقادهم حسّ الكلمة اللاذعة المقننة.
فمَن ينسى دور مقاهي (أم الدنيا) يوم كانت مقراً تشكلت فيها وزارات بأكملها، بل وأثرت الحركة الأدبية والفكرية، وتلقف الكتاب النكات من ألسنة المحرومين، وتلمس الأدباء على كراسي الخيزران معاناة الشفاه المحبطة وهي ترتشف فنجان الشاي، ومن مداد العيون الغائرة للشباب العاطل رسموا آلامهم في مقالات، وكتبوا آمال الغد المفقود على أعمدة الصحف بلا فلسفة ولا مواربة.
فالصحف حبلى بالمقالات الجافة والتقارير المحلية والدولية والإحصاءات المدججة بالأرقام، فاتركوا فسحة للسخرية لعلها تحرك ساكناً طال ركوده، ولعل (قفشة) ضاحكة باكية تصنع لنا الغد الباسم، فأغزر الدموع تلك التي تذرفها ضحكة مجنونة!!
0 تعليقات

إرسال تعليق

بلدان زوار المدونة

free counters