غالب البنا



الأزمة المالية العالمية
أسبابها – تداعياتها – انعكاساتها على السوق السعودي
حدود معالجتها

إعداد : غالب فريد البنا
اقتصادي وأكاديمي



إهـــــداء

أهدي هذا العمل المتواضع ..
إلى أجمل معاني العطاء.. إلى من زرع الثقة في نفسي
إلى ذلك النور الذي لا ينطفئ أبداً
والدي الغالي-رحمه الله-
وإلى من استمد سعادتي من رضاها إلى المرهفة الطاهرة النقية
إلى صاحبة تلك الأكف الحانية التي طالما ارتفعت بالدعاء لي
والدتي الحنون-رحمها الله-



المحتويات (الفهرس)

الموضــــــوع الصفحات
_________________________________________________
مقدمة 3 – 5
مشكلة البحث - أهميته- الفرضيات 6
التعريفات 7 – 9
أسباب حدوث الأزمة المالية العالمية 10 – 19
تداعيات الأزمة المالية العالمية 20 – 30
استمرار الأزمة المالية إلى متى؟ 31 – 34
تأثير الأزمة المالية على الاقتصاد السعودي 35 – 37
معالجة الأزمة المالية وحدودها 38 - 42
خـاتـمـــــة 43
قائمة المصادر (المراجع) 44

مقدمة البحث
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان على سيد المرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد..
لا شك في أن العالم بأسره يشهد أزمة مالية عنيفة هي الأعنف في تاريخنا المعاصر بدأت في الولايات المتحدة الأمريكية واستشرت عدواها إلى الأسواق المالية في مختلف دول العالم وبات علاجها معقداً في ظل (العولمة) التي اجتاحت العالم.
سنحاول عبر هذا البحث إتباع طريقة البحث الوصفي الاستقرائي Inductive في دراسة هذه الأزمة وتحليل أسبابها، وقراءة لتداعياتها، ونناقش الحلول المفترضة للخروج منها، عبر عناصر محددة تسهل على القارئ الأكاديمي، والمهتمين من المستثمرين ورجال الأعمال على حد سواء فهم واقع المشكلة وجذورها، ومراحلها، بغية إجلاء حقيقة الأزمة بطريقة مبسطة.
وقد قسمت عناصر هذا المبحث إلى ستة أبواب:
أولاً: تعريفات: وتشمل تلك التعريفات المصطلحات الخاصة المستخدمة في البحث ومدلولاتها، وكذا رموزها إن وجدت.

ثانياً: أسباب حدوث الأزمة المالية: سنخوض في هذا الباب في جذور الأزمة المالية وأسبابها الرئيسية عبر تاريخ بداية ظهور بوادرها، وبما أن مسببات تلك الأزمة تشابكت بشكل متقاطع كان لا بد من فك هذا التشابك، وتوصيف أسبابها توصيفاً علمياً دقيقاً.

ثالثاً: تداعيات الأزمة المالية: نعمد في هذا الباب إلى الخروج من أسباب الأزمة إلى نتائجها وإرهاصاتها على مختلف مفاصل الاقتصاد العالمي وآثارها الكارثية على حركة رؤوس الأموال، والخسائر الناجمة عنها.
رابعاً: استمرار الأزمة إلى متى؟؟ إن تحليل أسباب الأزمة المالية العالمية والخوض في نتائجها يحتم علينا طرح هذا التساؤل الكبير عبر دراسة مدى تمدد الظاهرة وتضخمها، ووجهات النظر المتضاربة بشأن تحديد مدة متوقعة لانحسارها، في ضوء حجم المشكلة والحلول المتاحة لاستشفاء الاقتصاد العالمي منها في ضوء ما ورد.
خامساً: تأثير الأزمة المالية على الاقتصاد السعودي: توخينا في هذا الباب دراسة تأثير الأزمة على اقتصادات السوق السعودي بحيادية وموضوعية مطلقة عبر بحث انعكاساتها على اقتصاد المملكة والتي تشكل رقماً صعباً في منظومة الاقتصاد العالمي، كما استعرضنا توقعات المحللين الماليين لتداعيات الأزمة على النظام المصرفي، وعلى اقتصاد المملكة بشكل عام، وعرجنا بشيء من التحليل على موازنة العام 2009م والتي صدرت مؤخراً.
سادساً: المعالجة وحدودها: نستعرض في هذا الباب الإجراءات والتحركات التي قامت بها الحكومات والبنوك المركزية منها لمعالجة الأزمة والحد من نتائجها، والمبادرات المتخذة والتوصيات المطروحة في هذا الشأن للخروج من هذا النفق المظلم مروراً على النظام الاقتصادي الإسلامي كحل مطروح بقوة خلال هذه المرحلة.

وددت أن أشير إلى افتقار المكتبات العربية حتى لحظة إعداد هذا البحث إلى أية مراجع وإصدارات تصدت لهذه الأزمة بعين الفاحص الباحث أو لتحليل الأزمة ودراستها دراسة علمية موضوعية، وأجزم بأن المكتبة العربية تكاد تخلو من أي مراجع نشرت في هذا المجال.
ويكفي للتدليل على أهمية وخطورة هذه الأزمة واهتمام العالم بتطوراتها وبالتالي ما يتضمنه هذا البحث، أن قادة أوروبا في قمتهم التي عقدت في أكتوبر 2008م والتي كان عنوانها المقرر (التغيرات المناخية) ناقشوا خطة الإنقاذ المالي بإسهاب خلال جلساتهم على حساب جدول أعمال القمة؟؟!(
[1])

لذا أرجو من الله العلي القدير أن ينفع بهذا البحث المتواضع المهتمين بكافة أطيافهم، ولقد راعيت اللجوء إلى العرض المبسط في كافة عناصر المبحث، كما أود التأكيد أنني نقلت بموضوعية وبدقة متناهية جميع الأرقام والإحصائيات ومصادرها، ودونت قائمة بالمصادر في نهاية البحث إحقاقاً لأمانة البحث العلمي، وتوثيقاً للبحث.

والله أسأل أن يجعله عملاً خالصاً لوجهه الكريم إنه سميع مجيب وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

جدة في 26/12/1429هـ

مشكلة البحث

تتحدد مشكلة البحث من خلال مدى تأثير الأزمة المالية على مفاصل الاقتصاد ككل، ومدى انعكاساتها على الأسواق والركود العالمي، والأدوات المتاحة ومدى كفاءتها للخروج من الأزمة.

أهمية البحث

تنبع أهمية هذا البحث من خلال استقراء أسباب الأزمة بغية معرفة اتجاهات الاقتصاد على المدى المنظور وتقييم مخاطر الاستثمارات الخطرة، وكذلك توضيح مسار الأزمة وصولاً إلى خطط الإنقاذ المالي ونجاعتها.

الفرضيات Hypothesis

يحاول البحث اختبار صحة الفرضيات التالية:
الفرضية الأولى: هناك علاقة جدلية بين الاقتصاد المالي والاقتصاد الإنتاجي.
الفرضية الثانية: تعتبر مخاطر الائتمان السهل لذوي الملائمة الضعيفة حجر الزاوية في هذه الأزمة.
الفرضية الثالثة: إن الأدوات المتاحة للخروج من هذه الأزمة محدودة وناجعة على المدى القصير، لكن تأثيراتها البعيدة المدى ستكون مكلفة للاقتصاد العالمي.
الفرضية الرابعة: أهمية كفاءة النظام المصرفي في تسيير عجلة الاقتصاد ومدى تأثيره المباشر على مفاصله.
الفرضية الخامسة: يوجد في هذه الأزمة المالية بعض الايجابيات ونقاط القوة إذا تم استغلالها على الوجه الأمثل.
الفرضية السادسة: ترشيد الإنفاق وجذب الاستثمارات غير النفطية تحديان يواجهان المملكة لاستثمار تداعيات الأزمة.

أولاً: التعريفات

1/1 سعر الفائدة Interest rate:
هو السعر الذي يدفعه البنك المركزي للبنوك التجارية نظير إيداعاتها سواء أكان استثماراً لليلة واحدة أو أكثر، ويعد هذا السعر مؤشراً لأسعار الفائدة لدى البنوك التجارية التي تنبغي ألا تقل عن سعر البنك المركزي كما تعتبر أداة لدى البنك المركزي في التحكم في عرض النقد في التداول من خلال تغيير هذا السعر صعوداً وهبوطاً على المدى المتوسط. (
[2])
1/2 التضخم Inflation:
عبارة عن كتلة نقدية كبيرة تطارد كتلة سلعية أصغر مؤدياً حسب القاعدة الذهبية في الاقتصاد الحر إلى تمدد الطلب على السلع في ظل عرض متواضع، ومن أجلى نتائجه ارتفاع في أسعار السلع والخدمات.(2)
1/3 التضخم المتسلسل:
هو تضخم يحدث نتيجة انخفاض الإنتاج، حيث تبدأ أسعار السلع والخدمات في الارتفاع ما يحدث مخاوف لدى المستهلكين من استمرار ارتفاع الأسعار فيلجؤون إلى شراء سلع وخدمات أكثر من حاجتهم ويتخلصون من النقود، فيتكون التضخم المتسلسل والذي يؤدي إلى كبح النمو.(3)
1/4 التضخم الجامح:
عادة يحدث هذا النوع من التضخم في بدايات مرحلة الانتعاش، أو في مرحلة الانتقال من نظام اقتصادي إلى آخر، أو في الفترات التي تعقب الحروب، لذلك يعتبر هذا النوع من التضخم الأسوأ، حيث يفقد الناس الثقة في النظام الاقتصادي.(4)
1/5 الاحتياطي الفيدرالي:
ويمثل البنك المركزي الأمريكي.(5)
1/6 مؤشر داو جونز Dow Jones Index:
مؤشر يعبر عن أداء أسعار أسهم شركات الصناعات التقليدية في قطاعات التمويل والبنوك والخدمات والصحة والطاقة الاستهلاكية ويطلق عليه "مؤشر الاقتصاد القديم".(
[3])
1/7 مؤشر ناسداك Nasdaq Index:
ويعبر هذا المؤشر عن أداء أسعار أسهم شركات التكنولوجيا والاتصالات والكمبيوتر والانترنت والشبكات ويطلق عليه "مؤشر الاقتصاد الحديث".(2)
1/8 مؤشر ستاندرد أند بورز 500 Standard & Poors 500:
ويعبر عن أداء أسعار أفضل 500 شركة يتم تداول أسهمها في كافة القطاعات.(3)
1/9 تقرير الناتج القومي Gross Domestic Product GDP:
وهو يعبر عن نمو الاقتصاد الأمريكي ومعدلاته (منكمش/ بطيء/ مقبول/ سريع) ويصدر كل 3 أشهر (ربع سنوي).(4)
1/10 النمو الاقتصادي Economic Growth EG:
يعني النمو في الدخل القومي وهو مرتبط ارتباطاً عضوياً بالتغير في نسب الناتج القومي GDP. (5)
1/11 اتفاقية برايتون وودز:
اتفاقية وقعت بعد الحرب العالمية الثانية في العام 1944م، وقد وقعتها أسوة بعام توقيعها 44 دولة وأسست للنظام المالي العالمي الراهن. وهي التي تحكم التجارة العالمية والمعاملات المالية بين الدول، وقد أسست لصندوق النقد والبنك الدوليين، وبموجبها اعتمد الدولار الأمريكي كعملة عالمية ومرجعية. (6)
1/12 أزمة الكساد الكبير Great Depression:
حدثت يوم 24 أكتوبر 1929م على إثر انهيار بورصة وول ستريت وسمي بالخميس الأسود، ونتج عن الأزمة إفلاس 5000 بنك من أصل 23.000 بنك أمريكي بسبب عجز المضاربين في وول ستريت عن سداد ديونهم.
وأفلست العديد من بنوك أوروبا نتيجة سحب الإيداعات الأمريكية منها. وأدى تكدس الإنتاج الزراعي إلى إتلاف بعض المنتوجات واستعمال بعضها كوقود (القهوة).
ومن نتائجها أيضاً بروز تيارات جديدة وانتشار الفكر الاشتراكي وزعزعة الأنظمة الليبرالية، وظهوراً أنظمة دكتاتورية نازية وفاشية في إيطاليا وألمانيا وغيرهما. (
[4])
1/13 الليبور Libor:
هو سعر الفائدة للإقراض بين البنوك ويقاس بالليلة الواحدة، ويتناسب طرداً مع سعر الفائدة المركزي.(2)
1/14 اتفاقية بازل 1 وبازل2:
بازل1: هي اتفاقية وقعت في مدينة بازل السويسرية، أسست لبنك التسويات الدولية في العام 1930م، الذي أسس فيما بعد لجنة بازل وتضم لجنة بازل الدول الصناعية العشر (الولايات المتحدة، بريطانيا، كندا، فرنسا، إيطاليا، هولندا، السويد، سويسرا، اليابان، لوكسمبورغ).
ويعتبر البنك المركزي السعودي البنك العربي الوحيد العضو في الجمعية العمومية لبنك التسويات الدولية.
وقد حددت اتفاقية بازل 1 مفهوم رأس المال بقطاع البنوك ومكوناته ومعدل كفايته وفق معايير محددة، وجاءت اتفاقية بازل2 وتعديلاتها لتركز على الشفافية والإفصاح والرقابة.(3)

ثانياً: أسباب حدوث الأزمة المالية العالمية
الغريب حقاً أن الكثير من الناس لا سيما في الدول العربية لا يتوانون في التأكيد بأنهم لا يعرفون التفاصيل وأسباب الأزمة المالية وكيف بدأت وكيف حدث الانهيار الكبير، مما زاد في حالة الهلع بين الناس.
وما زاد من الحيرة عودة النقاشات الأيديولوجية مثل الأزمة الهيكلية للنظام الرأسمالي، وسقوط النموذج الليبرالي، بل ذهب البعض إلى الخوض في عودة التأميم وقوانين النظم الاشتراكية التي أفلت منذ نهايات القرن الماضي.
بطبيعة الحال فإنه وحسب الأخصائيين، أن ما حدث أثناء الأزمة أمر بسيط، ولعل من أفضل من نجحوا في تقديم صورة مبسطة لأسرار الأزمة المالية هو الباحث الاقتصادي الفرنسي (توماس غينولي). (
[5])
وفق (غينولي) أن ما يلخص الأزمة المالية العالمية هو مفعول لعبة الدومينوز!! فكيف ذلك؟
تخيلوا أن هناك صفاً من أحجار الدومينوز التي تم وضعها إلى جانب بعضها البعض والصفوف الأخرى خلفها، فإنه حال هز ووقوع أحجار الصف الأمامي وكرد فعل متتابع حتماً ستسقط باقي صفوف الدومنيوز حجراً حجراً.
هذا التحليل المبسط يقرب لأذهان الكثيرين مسببات الأزمة المالية المتشابكة، إليكم تلك الصفوف التي انهارت بالتوالي والتي ذكرها الباحث الفرنسي:-
- الصف الأول:
قامت مؤسسات إقراض ومصارف في الولايات المتحدة بتمويل أصول وعقارات وممتلكات وبضائع لملايين من المواطنين ذوي الدخل المحدود متجاهلة بذلك قاعدة الحيطة والحذر، وتقييم المخاطر، بل وتوسعت عمليات الإقراض هذه بدءاً من العام 2001/2002 بسبب أزمة العقارات حيث شهدت السوق الأمريكية ارتفاعاً كبيراً في أسعار العقارات مع قلة المعروض منها، والتشدد في الإقراض العقاري.
مما دفع الحكومة الأمريكية إلى حل سريع للأزمة دون النظر إلى النتائج الكارثية بعيدة المدى المترتبة عليه، فتم تسهيل عملية الإقراض العقاري من جانب بنوك الإقراض بتسهيل من الحكومة والاحتياطي الفيدرالي والذي توسع في إصدار تراخيص لبنوك ومؤسسات الإقراض تلك، وكانت آلية الإقراض المتبعة كالتالي:
أن المقترض (وهو من أصحاب الملائة المالية المتدنية) أي أنها قروض عالية المخاطر، وذات جدارة ائتمانية رديئة يحصل على قرض سكني بحيث يسدد خلال السنتين الأولى والثانية فوائد تلك القروض فقط، وفي السنة الثالثة يبدأ بدفع الدين وفوائده، بحيث تصبح الأقساط بعد ذلك متزايدة لا سيما وأن نسب الفائدة ارتفعت بشكل مفاجئ في الأسواق المصرفية الأمريكية.
وجد الملايين من الأمريكيين المقترضين الذين أغراهم النمو الغير مسبوق لقطاع العقار وانخفاض نسب الفائدة والتسهيلات الحكومية المالية أنفسهم عاجزين عن تسديد ديونهم (قروضهم) وازدادت أعداد المتعثرين مع مرور الأشهر، ليخلق ذلك جواً من الذعر والهلع في أسواق المال وفي أوساط المستثمرين في قطاع العقار.
هاهو الصف الأول من أحجار الدومينوز بدأ بالتهاوي.
- الصف الثاني:
كانت المؤسسات المالية إضافة إلى الإقراض العقاري تقوم بعمليات رهون عقارية مقابل قروض نقدية تمنح لمواطنين يملكون عقاراً يتم استخدامه ككفالة أو ضمانة للقرض.
وبمجرد ظهور الاضطرابات الأولى التي أطاحت بالصف الأول من الدومنيوز سارعت المؤسسات المالية إلى مصادرة مئات الآلاف من المساكن الخاصة بالعاجزين عن تسديد القروض، وعرضها للبيع مؤدياً لزيادة مذهلة من المعروض العقاري، ما أدى بدوره إلى تراجع حاد لأسعار العقارات بنسب كبيرة. وبدأ الطلب العقاري في الولايات المتحدة في التضاؤل إلى أن وصل إلى حد الركود، وأصبحت القيمة السوقية للعقارات المرهونة أقل من قيمة القروض الممنوحة، ما دفع مؤسسات الإقراض تلك إلى طلب التسييل (السيولة) من أولئك المقترضين الذين لا يملك غالبيتهم بالضرورة مالاً.
وبدأت ما سمي لاحقاً بـ(أزمة الرهون العقارية) وبدأت معاناة المؤسسات المالية من أجل الحفاظ على قيمة تلك القروض والديون، ما أضعف من قيمتها في سوق التعاملات المالية.
وها هو الصف الثاني من أحجار الدومينوز بدأ بالانهيار.
- الصف الثالث:
قامت المؤسسات المالية بغية استرجاع البعض من قيمة تلك القروض بتحويلها إلى سندات (أصول)، أي أن تلك القروض تحولت إلى منتج جديد قابل للتداول بالبيع والشراء في البورصة أي (بيع الدين) لطرف ثالث في البورصة داخل الولايات المتحدة وخارجها.
ونظراً لأن (الأرباح الموعودة) من هذه العملية كانت مرتفعة قياساً إلى ارتفاع أسعار الفائدة فقد أقدمت صناديق الاستثمار على شراء هذه (الأصول) المترهلة في البورصة والمضاربة عليها، وتم بناء هياكل اقتصادية متعددة على أصل واحد ضعيف.
ومع بدء انكشاف هذه الأصول وفقدان قيمتها تدريجياً أرادت صناديق الاستثمار التخلص منها ببيعها، ولم يكن في الانتظار سوى مشترين راغبين بالشراء بأسعار متدنية جداً.
انهيار ثالث للصف الثالث الذي يتكون من هياكل اقتصادية متعددة الأطياف.
- الصف الرابع:
تجنباً لمشاكل انعدام السيولة، أحجمت صناديق الاستثمار عن بيع الأصول الآنفة (وهي بطبيعة الحال سندات وخطابات ضمان حولت إلى أصول للمضاربة بها)، وقامت ببيع أصول أخرى تملكها في البورصة ولا علاقة لها بهذه القروض، وبفعل القاعدة الذهبية (العرض والطلب) فقد انخفضت قيم تلك الأصول (الجيدة) علاوة على أن البنوك التي اشترت منها هذه الصناديق تلك الأصول تكبدت جراء عمليات البيع خسائر فادحة وفقدت الكثير من السيولة.
إذاً فالصف الرابع بدء التهاوي باتجاه الخلف، ماذا بعد؟!
- الصف الخامس:
نتيجة فقدان تلك البنوك الكثير من الأموال بدأت تعاني من مشاكل نقص السيولة، وتلبية احتياجات المودعين الذين بدؤوا بعمليات سحب كبيرة نتيجة الهلع الذي انتابهم، فبدأت بالحصول على الأموال عن طريق الاقتراض من بنوك أخرى، وهو تفاعل مالي يومي ومعروف بـ(المقاصة) بين البنوك، ولكن بسبب سرية البيانات المصرفية لكل بنك، ولأن كل بنك يجهل حقيقة وعمق المشكلة المالية التي يعاني منها البنك الآخر، فقد بدأت البنوك تحجم عن الإقراض للبنوك الأخرى أو ترفع من نسبة (الليبور)، ما أدى إلى تزايد مشاكل السيولة حدة. حتى في المؤسسات المصرفية التي لا تعاني أزمة وغير مشمولة بالأزمة ووضعها المالي جيد، فدخلت جميع البنوك في دائرة الأزمة نتيجة نقص السيولة الحاد.
وهذا هو الدومينوز الخامس.
- الصف السادس:
بدأ الانهيار الكامل للنظام المالي الأكبر في العالم، فالاستثمارات والودائع الأجنبية في البنوك الأمريكية أكبر من أن يجعلها أزمة محلية وهذا ما يفسر لنا تسميتها (بالعالمية) وبدأ النشاط المالي يتأثر ومن ورائه الاقتصاد برمته، فتداعت البنوك المركزية (الأمريكية والأوروبية) بإقراض تلك البنوك أموالاً بغية الحفاظ على توازنها على المدى المتوسط على الأقل، فتأثرت كافة مراكز الإنتاج العالمي نتيجة ضخ الأموال في النظام المالي بدلاً من القطاعات الإنتاجية والخدمية ما أدى إلى خفض الإنتاجية وانخفاض الطلب على المواد الأولية والنفط مما أدى إلى انخفاض سعره بصورة حادة.
انهيار الدومينو السادس هل من مزيد؟!
- الصف السابع:
نعم ما زال الدومينو السابع ينتظر السقوط فالعاملون في البورصة يحتاجون دائماً إلى سيولة بين أيديهم لألا يضطروا إلى بيع أصول في كل مرة يطلب فيها أحد مستثمريهم إقفال حسابه.
ولأن الكثير من أصول البورصة والأسهم تنخفض فإنهم يبيعونها كيفما اتفق، سواء للحصول على السيولة أو بفعل الذعر من الوضع الذي يمر به السوق، ما أدى إلى المزيد من الهبوط في قيمة تلك الأصول وهذا هو الدومينو السابع يهوي.
كان ذلك عرضاً مبسطاً لأسباب الأزمة الاقتصادية، ومراحل تطورها والتي شكلت متوالية رحلت الأزمة من مرحلة إلى مرحلة، ولكن فلنقف عند الأرقام والإحصائيات التي شهدتها فترة الأزمة لنقوم بتحليلها تحليلاً علمياً، لاستنباط تطور الأزمة تباعاً:
- بلغ حجم التداول المالي في الولايات المتحدة في بداية العام 2008م حسب إحصائيات موثوقة من منظمة (National Futures Associ) NFA وهي هيئة مستقلة ما يقارب 2 تريليون دولار مع استخدام القوة الرافعة.
- بلغت خسائر السوق (سوق الرهن العقاري) الأمريكي ذات التصنيف الائتماني المنخفض حوالي 250 مليار دولار أمريكي.
- كانت نسبة الفائدة في سبتمبر 2007 (5.25)%، وقد بدأت سلسلة التخفيضات في نسبة الفائدة تتوالى في محاولة لإنقاذ الاقتصاد الأمريكي من مخاطر الركود ليصبح المعدل الحالي في نهاية نوفمبر 2008 (0.25)% فقط، في محاولة من الاحتياطي الفيدرالي للتأكيد على أن التضخم لم يعد هو الخطر الأكبر الذي يهدد الاقتصاد الأمريكي.
- تحول الأزمة المالية إلى أزمة اقتصادية بمفهومها العام مع تأثير أزمة السيولة على الشركات وانخفاض الطلب على المواد الأولية وفي مقدمتها النفط الذي تهاوت أسعاره من (147) دولاراً للبرميل في مايو من العام 2008 ليصل إلى مادون (35) دولار في نهاية نوفمبر لنفس العام أي أقل من الربع خلال 12 شهراً فقط.
- بلغت خسائر أثرياء العالم العشرة فقط حسب تصنيف الصنداي تايمز(
[6]) البريطانية والتي سببتها الأزمة الاقتصادية العالمية حوالي (40 مليار دولار) وإليكم بعض النماذج:
* لاكشمي ميتال: أكبر الخاسرين، وهو من أثرياء بريطانيا، ويملك أكبر شركة حديد وصلب في العالم، حيث انهارت أسهمه بشركة (أرسيلور ميتال) التي يملك أغلب أسهمها – في البورصات العالمية من 33.24 مليار جنيه إسترليني في يونيو 2008 إلى 16.63 مليار جنيه عند إغلاق الأسبوع الثاني من شهر أكتوبر 2008، وبعملية حسابية بسيطة بلغت خسائره اليومية 137 مليون جنيه إسترليني، أي ما يعادل 6 مليون جنيه إسترليني في الساعة الواحدة.
* أنيل آجروال: رجل أعمال هندي مقيم في بريطانيا، ويملك مناجم وأفران تعدين المعادن حول العالم، بلغت خسائره جراء الأزمة الحالية 2.7 مليار جنيه استرليني.
* مايك آشلي: مالك نادي نيوكاسل لكرة القدم مني هو الآخر بخسائر قدرها (960) مليون جنيه إسترليني.
* جو لويس: مالك نادي توتنهام هوستبيرس مني بخسارة قدرها (603) مليون جنيه إسترليني.
كما تسببت الأزمة المالية في الإطاحة بالملياردير (بيل جيتس) الرقم الصعب ومؤسسة شركة مايكروسوفت حيث تراجع عن قمة قائمة مجلة فوريس لأغنى أغنياء العالم، وهبط إلى المركز الثاني بعدما تراجعت ثروته إلى 55.5 مليار دولار من 57 مليار دولار، وبات الملياردير (وارين بافيت) أغنى العالم إلا أنه لم يكن بمنأى عن الخسائر أيضاً.
* لورانس أليسون: مؤسس (شركة أوراكل) تراجعت ثروته من 27 مليار دولار إلى 25.4 مليار دولار جراء الأزمة الحالية.
* الأمير الوليد بن طلال: والذي يملك حصة 4.9% من (ستي جروب) والتي كانت قيمتها السوقية 109 بليون دولار قبل الأزمة المالية والتي تتابعت فصولها لتصل قيمة أسهمه بعد هبوط سهم الشركة المذكورة بنسبة 40.86% مستويات متدنية، وبحساب بسيط نجد أنه قد خسر حتى 6 أكتوبر 2008 من استثمار واحد فقط 2 مليار دولار.

- تقارير صندوق النقد الدولي:
أورد آخر تقرير لصندوق النقد الدولي للعام 2008 أن معدل نمو الاقتصاد الأمريكي سيقارب (الصفر) المئوي أو السلب بقية عام 2008 وفي النصف الأول من العام 2009م، وهو الأدنى منذ 33 عاماً.
- انخفاضات حادة واللون الأحمر يكسو شاشات الأسواق العالمية: تراجعات ونزيف نقاط حاد في بورصات العالم، وتبخر رؤوس الأموال سمة مميزة لهذه الأزمة، فقد هبط مؤشر داو جونز والذي يقيس أداء 30 شركة من كبريات شركات الصناعات التقليدية بنسب أسبوعية لم تقل عن 4% منذ بداية الأزمة، كما تراجع مؤشر ناسداك الذي يهيمن عليه أسهم شركات التكنولوجيا بمعدلات مشابهة، وهبط مؤشر (ستاندر بورز) الأوسع نطاقاً ليغلق عند مستويات متدنية خلال فترة الأزمة.
وتراجعت أغلب المؤشرات الأوربية فاينانشال، وكاك، وواكس بنسب متفاوتة.
استعرضنا كل هذه الحقائق والإحصائيات والتقارير لنؤكد أننا أمام أزمة حقيقية فلا خطوط ائتمان متاحة، وركود اقتصادي واضح المعالم وملامح كساد حقيقي.
إذاً فلنلخص في نهاية هذا الباب الأسباب التي أدت لتلك الأزمة.
يمكن تقسيم الأسباب إلى قسمين:
- أسباب بنيوية.
- أسباب مرحلية.
أولاً: الأسباب البنيوية:
وتتعلق ببنية وهيكلية النظام الرأسمالي برمته، يقول العالم الاقتصادي (موريس آلييه) الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد: "إن النظام الاقتصادي الرأسمالي يقوم على بعض المفاهيم والقواعد التي هي أساس تدميره إذا لم تعالج وتصوب تصويباً عاجلاً".
بل وبدء البعض في التشكيك بركائز النظام الرأسمالي والتشكيك أيضاً في قدرة الأسواق على ضبط نفسها، بل ذهب البعض إلى أبعد من ذلك بكثير حيث بدأت النقاشات تدور حول مستقبل النظام الاقتصادي الرأسمالي. وتنبأ بعض علماء الاقتصاد الوضعي بانهياره أسوة بنظيره الاشتراكي وأنه بدأ يترنح.
كتبت صحيفة (The Time) الذائعة الصيت في افتتاحيتها يوم 14 أكتوبر 2008 تحت عنوان (هل فشلت الرأسمالية؟): "كشفت الأزمة المالية الأخيرة أسوأ مثالب الرأسمالية، لكنها ما زالت أفضل أمل لدينا لتكوين ثروة وإتاحة الفرص للكثيرين".
إذاً فالأسباب الهيكلية هي مجموعة السياسات التي بنت عليها الرأسمالية العالمية ركائزها وكانت سبباً وراء هذه الأزمة ونلخصها بالتالي:
1- العولمة التي انتهجتها الرأسمالية العالمية، بحيث إذا عطست الولايات المتحدة أصاب الزكام العالم كله.
2- إدخال النظام الطفيلي المالي على الاقتصاد الحقيقي منذ سبعينيات القرن الماضي تسبب في إرهاق البنية التحتية للاقتصاد الإنتاجي الحقيقي.
3- تغيير دور المال من خادم للاقتصاد إلى عبء عليه، وأصبحت وظيفة المال جمع المال، فاقداً وظيفته الأساسية كونه مقياساً للتبادل ومخزناً للقيمة ووسيلة للدفع، وأضحى سلعة كغيره من السلع.
4- غياب الرقابة على السوق خشية المساس بآلية النظام الحر وتفاعلاته والاعتماد المطلق على التصحيح الذاتي للأسواق.
ثانياً: الأسباب المرحلية:
ونقصد بها الأسباب المباشرة والقصيرة المدى التي جعلت الأزمة المالية تتحول إلى أزمة اقتصادية اجتاحت العالم بأسره ونلخصها بما يلي:
1- عدم كفاءة النظام المصرفي، وفساد النظام الإداري والمديرين غير التنفيذيين في أقسام الائتمان، وعدم الاهتمام بالوضع الائتماني للمقترضين وتصنيفهم ائتمانياً، والالتزام بمعايير هذا التصنيف.
2- ارتفاع معدلات الفائدة نتيجة التضخم وزيادة الكلفة على المقترضين.
3- تباطؤ النشاط الاقتصادي الأمريكي.
4- انكشاف حقيقة بعض القروض "عالية المخاطر" التي تميزت بتركيبة تجعل منها ميسرة في السنوات الأولى، باهظة الكلفة في السنوات التالية.
5- الجشع وغياب الرقابة، ودور الدولة على منتجات التمويل المستحدثة.
6- نظام جدولة الديون بسعر فائدة أعلى واستبدال قرض واجب السداد بقرض جديد بسعر فائدة مرتفع، وتداول القروض ومنتجاتها من سندات وأسهم، وخطابات ضمان والتأمين عليها، واستحداث أدوات مالية جديدة في المجال المالي بقيم سوقية لا تمت إلى قيمتها الفعلية بصلة.
7- الانخفاض الكبير في قيم العقارات نتيجة العرض الهائل منها وشح الطلب.

وأخيراً فإن تلك الأزمة بدأت عقارية (أزمة الرهون العقارية) وتحولت إلى أزمة مالية (أزمة ائتمان) وانتهت (أزمة اقتصادية) تمثلت شللاً اقتصادياً وإنتاجياً عاماً، ونورد في نهاية هذا الباب خارطة طريق سلكتها تلك الأزمة منذ البداية لعلها تكون دليلاً لخط سير الأزمة المالية: (أنظر الصفحة التالية):





قروض عقارية عالية المخاطر

ارتفاع معدلات الفائدة
أزمة رهون عقارية

تحويل القروض والرهون العقارية إلى سندات وأصول قابلة للتداول

هبوط حاد لصناديق الاستثمار والبورصات

عمليات سحب الودائع

صعوبات في التمويل الائتماني ونقص السيولة

مشاكل في سوق الإنتاج العالمي وكساد اقتصادي عام

تهاوي أسعار النفط ازدياد معدلات البطالة إفلاس شركات عملاقة


ثالثاً: تداعيات الأزمة المالية
سنحاول في هذا الباب رسم ملامح الوضع الحالي على المستوى العالمي وطرح بعض الأفكار حول نتائج هذه الأزمة وتداعياتها.
وبداية لا بد من التأكيد على أن الأزمة الحالية تتميز ولأول مرة في التاريخ بعالميتها، رغم كون أزمة الكساد الكبير في العام 1929م كانت الأشنع، إلا أنها اقتصرت تداعياتها ونتائجها المدمرة على الدول العظمى ومستعمراتها آنذاك، وبقيت الدول الأخرى شبه معزولة عن تلك الهزة وتردداتها فمعظم تلك الدول كانت تعتمد على الاكتفاء الذاتي من منتوجاتها سواء كانت زراعية أم غيرها.
من جهة أخرى تميزت فترة الكساد الكبير وغيرها من الأزمات الاقتصادية السابقة بكونها أزمة إنتاج متعلقة بالاقتصاد الحقيقي، وانعكاساتها كانت على تقييم أسهم الشركات المعنية والسندات المالية الممولة للاقتصاد، هذه المرة نجد ولأول مرة أن الأزمة مصرفية محضة بالدرجة الأولى، ولكن أبعادها هائلة بحيث أنها أدت إلى فقدان الثقة بالبنية المصرفية والمالية عموماً وانتقال العدوى إلى البنى الاقتصادية.
إذاً فإن الأزمة في مرحلتها الأخيرة توصف في وسائل الإعلام على أنها أزمة سيولة والواقع أن هذا الوصف تقزيم للمشكلة إنها "أزمة ثقة".
لماذا دولت الأزمة لتصبح عالمية؟؟
من المعروف أن الاقتصاد الأمريكي هو الاقتصاد الأكثر قدرة على امتصاص السيولة وابتلاع الفوائض النقدية الهائلة التي نجمت عن ارتفاع أسعار النفط والمواد الخام الأولية عالمياً، وقد كانت الثقة في هذا الاقتصاد مبالغ فيها، بل دعنا نقول أنها كانت "مفرطة" سواء كونه يشكل ربع الناتج الإجمالي العالمي، أو لكونه صاحب العملة السحرية الخضراء التي أقرها نظام (برايتون وودز) كعملة عالمية ذهبية مضمونة القيمة وأعطاه عصا سحرية لم يزود بها أي اقتصاد آخر عبر العالم.
وعوداً على بداية ظهور أول نتائج الأزمة خلال الفترة من (2001 إلى 2006م) وعنوان تلك الفترة (الاقتراض السهل) من أجل تشجيع الاستثمار المنكمش بعد فقاعة الانترنت وهجمات الحادي عشر من سبتمبر.
تسابقت البنوك والصناديق الاستثمارية والتمويلية للاستفادة من تلك الأموال "السهلة" وكان أحد المجالات الرئيسية لاستثمار تلك الأموال هو قروض الرهن العقاري، وكانت هناك تسهيلات غير مسبوقة في شروط وضمانات هذه القروض وهي نتيجة منطقية، ليس فقط لما يتصوره البعض من فقدان الرقابة والضوابط، ولكن أيضاً وهو الأهم نتيجة السيولة المالية التي أحدثها تخفيض سعر الفائدة مع تضاؤل ربحية المشاريع الانتاجية.
ملايين العائلات الأمريكية شرعت في شراء العقارات للسكن والاستثمار، من خلال قروض الرهن العقاري، مما زاد بشكل جنوني من أسعار العقارات في السوق الأمريكي (بنسبة تصل إلى 200%) وهو ما زاد أيضاً من جاذبية هذا القطاع للاستثمارات المالية من خلال البنوك، وقد كانت مراكز قروض الرهن العقاري، هي البنوك والمؤسسات المالية ومن أشهرها العملاقين الأمريكيين (فريدي ماك)، و(فاني ماي).
ولكن بسبب سياسات التحرير الاقتصادي ، خاصة في المجال المالي وعولمة المنظومة المالية، تطورت أسواق جديدة مستحدثة لتداول أوراق الرهن العقاري شملت البنوك والشركات المالية ليس في السوق الأمريكية وحدها بل على مستوى العالم.
اكتظت خزائن تلك البنوك والشركات بتلك الأوراق الممثلة للرهون العقارية فيما يطلق عليه (التوريق). وهو ما أدى إلى خلق فقاعة "افتراضية" لقيم العقارات الأمريكية في أغلب دول العالم، فالقيمة الورقية للعقارات ابتعدت تماماً عن القيمة الحقيقية لتلك العقارات، وقيمة الأوراق الممثلة للرهون العقارية أخذت بدورها تتباعد عن القدرة الحقيقية للمقترضين الأصليين على تسديد الأقساط وفوائدها.
سرعان ما اصطدم "الافتراض" مع "الواقع" فتوقف الملايين من المقترضين عن سداد الأقساط، ومن ثم بدأت المؤسسات المالية في الحجز على ملايين العقارات، ما تسبب في حالة من الذعر في القطاع المالي بأكمله، فلم يعد أحد يعرف بالضبط ما هي نسبة القروض "سيئة الصيت" التي لن يتم سداد قيمتها، ولا درجة انتشار تلك الأوراق التي يتم تداولها في القطاع المصرفي.
كانت بداية الانهيار في إعلان إفلاس بنك (بيرستيرنز) العريق والذي اتضح أنه كان غارقاً في تلك الأوراق (السيئة) في صيف العام 2007م، ومع انتشار حالة الذعر بدأت أسعار العقارات في انخفاض سريع وحاد، وأصبح الكثير من المقترضين مدينين للبنوك بأكثر من قيم العقارات التي يدفعون أقساطها، مما زاد الأزمة تعقيداً.
بلغت أزمة الرهون العقارية ذروتها في مطلع سبتمبر 2008، حينما أوشك العملاقين (فريدي ماك)، و(فاني ماي) على الانهيار، وتدخلت الحكومة الأمريكية مع الاحتياطي الفيدرالي في تأميم الشركتين على الفور. في ظاهرة غريبة على الاقتصاد الرأسمالي، وبعد عشرات الأعوام من الدعاية الأيديولوجية عن حرية السوق، وفصل السلطة المالية والاقتصادية عن الحكومة.
وفي منتصف سبتمبر 2008 أفلس بنك (ليمان براذرز) الشهير الذي يرجع تأسيسه إلى النصف الأول من القرن التاسع عشر، لكن الحكومة لم تتدخل هذه المرة لانقاذ البنك، معبرة عن حالة من التذبذب وعدم وضوح الرؤية، والتي سرعان ما انعكست في المزيد من الذعر في أسواق المال، وشهدت بورصة نيويورك وتبعتها البورصات العالمية موجات متتابعة من الانهيارات، وتلى ذلك على الفور قيام الحكومة الأمريكية بضخ 85 مليار دولار لشراء أسهم أكبر شركة تأمين في العالم (آي إي جي) والتي تورطت هي الأخرى في التأمين على سندات الرهن العقاري وضمانها وكانت على وشك إشهار إفلاسها.
لكن حتى هذا الإجراء غير المسبوق منذ ثلاثينات القرن الماضي لم يفلح في طمأنة السوق وتهدئة حالة الذعر، فظلت البورصات العالمية تشهد انهيارات متتالية، فانتقلت الأزمة سريعاً من النظام المالي الأمريكي إلى النظام المالي العالمي.
استشرت الأزمة كالنار في الهشيم، لتشمل البنوك وشركات التمويل والبورصات في أوروبا وآسيا بسبب سياسات العولمة، وتحرير الأسواق فقد انتقلت تلك الأوراق (المسمومة) من البنوك الأمريكية إلى البنوك الأوروبية والآسيوية، وأخذت البنوك تتساقط الواحد تلو الآخر وبدأت تشهر إفلاسها، وقامت الحكومات بدورها لإنقاذ ما يمكن إنقاذه بتأميم البنوك أو بالقيام بعمليات شراء واسعة للأسهم، وضخ المليارات في سوق المال ولكن ظل الذعر مسيطراً على رأس المال الجبان، وأصاب الشلل النظام البنكي سواء في أمريكا أو في المراكز المالية الأخرى.
ولعل أهم مؤشر على ذلك هو امتناع البنوك الاستثمارية عن إقراض بعضها البعض فيما يعرف (بالمقاصة)، فلا أحد يعرف من سيفلس قبل الآخر، وما مدى امتلاء خزينة كل منهم بتلك الأوراق "المسمومة".
وكما ذكرنا في بداية الباب أن الأزمة الحالية بدأت وانتشرت في القطاع المالي وسرعان ما انتقلت تداعياتها كما هو متوقع إلى بقية القطاعات الاقتصادية وعلى رأسها القطاع الإنتاجي.
فالانكماش في قدرة البنوك على الإقراض، يعني انكماشاً في مصادر تمويل الشركات الصناعية والإنتاجية، فهي تحتاج بشكل دائم ومتواصل إلى سيولة ائتمانية، لتغطية نفقاتها، وللإنفاق على برامج تطوير وتوسيع إنتاجها. وقد أدى هذا الانكماش إلى تقليص أنشطتها في حالة الشركات الكبرى أو إفلاس الشركات الأصغر حجماً.
وهو ما أدى إلى زيادة مضطردة في حجم البطالة.
ازدياد حجم البطالة بالطبع سوف يؤدي في مرحلة لاحقة ليست بالبعيدة إلى انخفاض حاد في القدرة الشرائية، وبالتالي في الاستهلاك. وقد أعلنت كبرى الشركات الصناعية في مجالات صناعة السيارات والإلكترونيات والحديد والأسمنت عن خسائر كبرى في الربع الثالث من العام 2008م مع توقعات بالمزيد من الخسائر في الفترة القادمة.
وقد بدأت آثار الأزمة المالية العالمية بالفعل تدك اقتصادات دول العالم حتى أقواها كالصين مثلاً، فرأس المال الأجنبي والمتمثل بالشركات متعددة الجنسيات، قامت بعملية هروب كبير في الأسواق الناشئة وازدادت مؤشرات انهيار البورصات حدة، فعلى سبيل المثال فقدت بورصة شنغهاي بين يوليو وسبتمبر 2008م أكثر من 50% من قيمتها،(
[7]) وقد قدرت مؤسسة (مورجان ستانلي) الذائعة الصيت أن التدفقات المالية إلى الدول الأقل تطوراً ستنخفض خلال عام 2009 بما يتجاوز 200 مليار دولار مما سيزيد من العجز في موازين المدفوعات لأكثر من 80 دولة حول العالم.
ومن أكثر الأمور حدة في تداعيات تلك الأزمة حدوث خسائر لم يسبق لها مثيل في السيولة حيث قفزت أسعار الفائدة على المعاملات بين البنوك لأجل ثلاثة أشهر بما يتجاوز بكثير أسعار الفائدة على الإقراض لليلة الواحدة والمستخدمة كأداة لترشيد السياسة النقدية.
وحدث هذا في وقت سعت فيه البنوك للحفاظ على ما لديها من سيولة أمام سيل الضغوط الواقعة عليها، وعمليات سحب الودائع المتوالية.
وانتشرت حالات نقص السيولة بصورة أوسع نطاقاً حيث لجأت البنوك إلى تخفيض خطوط الائتمان وزيادة هوامش الضمان للأوراق المالية وزيادة طلبات إيداع هامش الوقاية من الوسطاء الماليين الآخرين.
إذاً فتورط الشركات الصناعية والإنتاجية بشكل عام في هذه الأزمة رغم عدم تعاملها بشكل مباشر في أي من سندات الدين العقاري كان رغماً عنها ويعتبر توريثاً وتلويثاً للاقتصاد الحقيقي جراء تبعات اللعبة المالية.
كيف لا وقد باتت العلاقة عضوية بين رأس المال المالي، ورأس المال الإنتاجي، وأصبحت أكثر تعقيداً من ذي قبل.
يكفي أن نعرف أن شركتي (جنرال موتورز) و(كرايسلر) الأمريكيتين وصلتا إلى حافة الإفلاس،(
[8]) وتدخلت الحكومة الأمريكية مؤخراً للحفاظ على إمبراطورية صناعة السيارات في ديترويت من الانهيار بعرض قروض وصلت إلى 13.4 مليار دولار بشكل عاجل في ديسمبر 2008 من أصل 700 مليار دولار ميزانية الإنقاذ المالي للمؤسسات المتعثرة والتي أقرها مجلس الشيوخ بقيود وضوابط سنأتي على ذكرها مع العلم أن أجل تلك القروض ثلاث سنوات بشرط أن يكون صافي القيمة الحالية للشركة المستفيدة من برنامج الإنقاذ موجباً، دون اشتراط العودة إلى الربحية.
وأكدت صحيفة (نيكاي) اليابانية بدورها أن شركة (تويوتا) العملاقة لصناعة السيارات ستتعرض على الأرجح خلال السنة المالية 2008 – 2009 لأول خسارة استثمارية في تاريخها بسبب تراجع مبيعات السيارات في أسواقها الرئيسية، علماً أن (تويوتا) لم تتعرض لخسائر استثمارية منذ بدأت بإشهار بياناتها في العام 1940م.
والقائمة تطول وتتشعب بين مؤسسات مالية وتأمينية وخدمية وإنتاجية، فلنتصور أن بنك (بيرستيرنز) الذي تناولناه في بداية هذا الباب من البحث والذي تم بيعه لـ (جي بي مورجان) بعد إفلاسه بسعر دولارين للسهم الواحد وهو يمثل ثلث السعر الذي طرح فيه للاكتتاب في العام 1985م.
هذا الصرح العريق في وول ستريت الذي واجه الأزمات المالية على مدى 85 عاماً وتجاوز (الكساد الكبير) لقي نهايته في هذه الأزمة، ولا أدل عن تعليق محامي التنفيذ في لجنة البورصات الأمريكية (رون جنيفير) حين علق على عملية البيع وتقييم الأصول: "إن الأمر أشبه ما يكون بمن استيقظ صيفاً ليجد الأرض مغطاة بالثلوج" مضيفاً "أن المشاكل كانت أكبر بكثير في بير مما تصوره الجمهور".
فقد كانت القيمة السوقية لسهم (بير) قبل الأزمة 170 دولار للسهم!! كل ذلك يكشف عمق الأزمة في النظام البنكي العالمي وغياب الثقة بل انعدامها، وهو التحدي الأول حتى قبل مشاكل السيولة والإقراض الائتماني الذي يواجه مديري الأزمة الحاليين.
ولن نطيل في سرد قوائم الشركات المفلسة والمنهارة والمباعة والمؤممة التي تعاني من مشاكل السيولة، فالسرد سيطول والقائمة طويلة، وإنما سنحلل انعكاسات تلك الأزمة وتداعياتها، وتوقعات المحللين الاقتصاديين لآثار محتملة أخرى على المدى المنظور، وهل من آثار إيجابية لتلك الأزمة.
تداعيات الأزمة على المدى المنظور:
أ) تخفيضات على أسعار الفائدة، قد ترفع من احتمالات التضخم وخاصة المتسلسل ومن بعده الجامح بنسب بسيطة.
ب) هبوط في أسعار النفط العالمية، مما يتطلب خفضاً للإنتاج حيث اقترب سعر برميل النفط من مستوى الخطر الذي حددته (أوبك) بـ30 دولاراً/ للبرميل.
ج) محاولة ترحيل الأزمة إلى خارج الولايات المتحدة بطرق عدة أهمها شفط إيرادات الدول الأخرى خاصة النفطية منها وإعادة ضخها في سوق المال الأمريكي بحجة أن الفوائض لا تستوعبها أسواق الخليج والعالم الثالث بشكل عام.
د) كساد عام اقتصادي سينعكس على صادرات البلدان الأخرى وعلى أسواقها المالية، إذا علمنا أن الولايات المتحدة أكبر مستورد في العالم حيث بلغت واردتها السلعية 1919 مليار دولار أي 15.5% من الواردات العالمية (إحصاءات التجارة الخارجية الصادرة عن منظمة التجارة الدولية للعام 2006).
هـ) ازدياد الإنفاق الحكومي نتيجة ثقل المديونية الأمريكية، فقد بلغت الديون الحكومية للعام 2007 ما يوازي 8.9 تريليون دولار (منها ديون عقارية سبقت الإشارة إليها بمبلغ 6.6 تريليون دولار) أما ديون الشركات فبلغت 18.4 تريليون دولار، وبذلك يكون مجموع الدين العام 36 تريليون دولار أي ثلاثة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي!!.
السؤال الأهم كيف سيتم تغطيتها؟
و) انخفاض الطلب على المواد الأولية، وأسعار العقارات وخاصة الأمريكية.
ز) تعرض العديد من الشركات والتجمعات الاقتصادية للإفلاس وبروز ظاهرة الاندماج.
ح) حل الكثير من مجالس إدارات البنوك، وإعادة تقييم مخاطر القروض وتصنيفات الائتمان، وفرض قيود على خطوط التسهيلات الممنوحة.
ط) اتخاذ إجراءات قد تحد من حرية التجارة الدولية كوضع قيود أكثر صرامة على فتح الاعتمادات أو تقديم خطابات الضمان للاستيراد والتصدير، وازدياد شدة المنافسة نتيجة دعم حكومات الدول لقطاعاتها الإنتاجية ما قد يقود السوق إلى خفض في أسعار بعض المنتجات.

الآثار الإيجابية للأزمة:
قد يبدو هذا العنوان غريباً للوهلة الأولى، ولكن المسار الاستقرائي للأزمات الاقتصادية يقول أنه إذا استطاع النظام الاقتصادي العالمي القيام من أزمته فإن الخط البياني سيكون متصاعداً، فحتماً إن المرحلة التي تلي الانكماش هي الانتعاش الاقتصادي بعد انتهاء مرحلة الكساد، خاصة مع تضافر الجهود الدولية للخروج من الأزمة هذا من جهة، ومن جهة أخرى بحث إمكانية استغلال فرص الأزمة، وما تفرضه على السوق من منتجات مالية مغرية.
1) تمتلك الدول النفطية وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية القدرة على شراء مشاريع (شركات ومصارف ومؤسسات مالية صغيرة ومتوسطة وحتى كبيرة أصبح سعرها مقبولاً في ظل الأزمة الحالية) بأسعار رخيصة وبشكل استثنائي في مختلف أنحاء العالم.
2) انتهاز الفرصة للتعاقد بأفضل الشروط مع شركات مستعدة لتقديم تنازلات هامة في ظل الظروف السوداوية الحالية.
3) استغلال الموارد والاحتياطيات المتاحة لتأمين بيئة إنتاجية خدمية جاذبة للمستثمرين وذات طاقة تصديرية.
4) الضغط باتجاه توظيف السيولة قدر الإمكان داخل الاقتصاديات الوطنية، واستدراج شركات خارج الحقل النفطي والمصرفي للاستثمار فيها، وتقليل نسب الاستثمار بالأدوات الخطرة وحتى الصناديق السيادية التي لم تكن بمنأى عن العاصفة الحالية.
5) الواضح أن تقلبات الأسعار في العملات العالمية واندفاع الدول الصناعية لحرب التخفيضات للوصول إلى دعم صادراتها، نجد أن السبيل الأفضل لحماية جزء من الاحتياطيات المتوفرة (خارج دائرة الاستثمار الآمن) بتحويله إلى سبائك ذهبية عندما يكون السعر مقبولاً فإنه في الفترة الحالية والقريبة أضمن من تقلبات العملات التي ستشهد وفق تحليلات خبراء المال تقلبات شديدة.
6) إتباع سياسة هجومية في مجال الإنفاق الحكومي لتحفيز الاستثمار عبر زيادة الإنفاق الحكومي للفترة القادمة.

تداعيات الأزمة المالية – تاريخ ووقائع
- فبراير 2007: زيادة عدم سداد تسليمات الرهن العقاري (الممنوحة لمدينين لا يتمتعون بقدرة كافية على السداد) في الولايات المتحدة يتسبب بحالات إفلاس لمؤسسات مصرفية متخصصة.
- أغسطس 2007: تدهور البورصات أمام مخاطر اتساع الأزمة وتدخل المصارف المركزية لدعم سوق السيولة.
- أكتوبر 2007/ ديسمبر 2007: إعلان عدة مصارف كبرى انخفاض أسهمها بسبب أزمة الرهن العقاري.
- 22 يناير 2008: تخفيض الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي (البنك المركزي) معدل فائدته الرئيسية ثلاثة أرباع النقطة 4.25% إلى 3.50% وهو إجراء استثنائي، ثم عدة تخفيضات متتالية إلى ديسمبر 2008 حيث وصلت إلى 0.25%.
- 17 فبراير 2008: تأميم الحكومة البريطانية لبنك (نورذرن روك).
- 11 مارس 2008: تضافر جهود المصارف المركزية مجدداً لمعالجة سوق الرهون العقارية.
- 16 مارس 2008: (جي بي مورجان تشيز) يعلن شراء بنك الأعمال الأمريكي (بيرستيرنز) بسعر متدن مع المساعدة المالية للاحتياطي الفيدرالي.
- 7 سبتمبر 2008: وزارة الخزانة الأمريكية تضع المجموعتين العملاقتين في مجال تسليفات الرهن العقاري (فريدي ماك)، و(فاني ماي) تحت الوصاية طيلة الفترة التي تحتاجها لإعادة هيكلة ماليتهما مع كفالة ديونها حتى 200 مليار دولار.
- 15 سبتمبر 2008: إفلاس بنك الأعمال الشهير (ليمان براذرز) وإعلان أحد أبرز المصارف الأمريكية وهو (بنك أوف أمريكا) شراء بنك آخر للأعمال في وول ستريت هو (ميريل لينش).
- 16 سبتمبر 2008: الاحتياطي الفيدرالي والحكومة الأمريكية تؤممان بفعل الأمر الواقع أكبر مجموعة تأمين في العالم (أي آي جي) المهددة بالإفلاس.
- 17 سبتمبر 2008: البورصات العالمية تواصل تدهورها وبوادر ضعف التسليف في النظام المالي، وتكثيف المصارف المركزية العمليات الرامية إلى تقديم السيولة للمؤسسات المالية.
- 18 سبتمبر 2008: البنك البريطاني (لويدتي أس بي) يشتري منافسه (أتش بي أو أس) المهدد بالإفلاس.
- 18 سبتمبر 2008: السلطات الأمريكية تعلن بأنها تعد خطة بقيمة 700 مليار دولار لتخليص المصارف من أصولها المتعثرة.
- 19 سبتمبر 2008: الرئيس الأمريكي جورج بوش يوجه نداء إلى التحرك فوراً بشأن خطة إنقاذ المصارف لتفادي تفاقم الأزمة في الولايات المتحدة.
- 23 سبتمبر 2008: الأزمة المالية تطغى على المناقشات في الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك.
- 26 سبتمبر 2008: انهيار سهم المجموعة المصرفية البلجيكية الهولندية (فوريتس) في البورصة بسبب شكوك بقدرتها على الوفاء بالتزاماتها وفي الولايات المتحدة يشتري بنك (جي بي مورغان) منافسه (واشنطن ميو تشوال) بمساعدة السلطات الفيدرالية.
- 28 سبتمبر 2008: تأميم بنك (برادفور ونبغلي) في بريطانيا.
- 29 سبتمبر 2008: مجلس الشيوخ الأمريكي يرفض خطة الإنقاذ، وانهيار (وول ستريت) بعد ساعات قليلة من إعلان الخبر، وتراجعات في البورصات الأوروبية، في حين واصلت معدلات الفوائد بين المصارف ارتفاعاتها مانعة المصارف من إعادة تمويل ذاتها.
- 30 سبتمبر 2008: إعلان بنك (سيتي جروب) الأمريكي شراء منافسه (واكوفيا) بمساعدة السلطة الفيدرالية.
- 1 أكتوبر 2008: مجلس الشيوخ الأمريكي يقر خطة الإنقاذ المالي المعدلة.
رابعاً: استمرار الأزمة إلى متى؟؟
إن تحديد أمد الأزمة ضرب من الخيال إذ أن ذلك يتعلق بتحفيز الاستثمارات ومدى تجاوب رؤوس الأموال حيال ذلك، وأيضاً العامل النفسي وعودة الثقة، إضافة إلى نجاعة الحلول وخطط الإنقاذ التي أقرتها الدول الكبرى.
المدرسة التشاؤمية:
وتذهب هذه المدرسة في نظرتها إلى أن الأزمة تحتاج إلى عقد كامل (عشر سنوات) من الزمن على أقل تقدير لحلها، ولكي تعود الأوضاع في أسواق المال إلى الاستقرار.
ويعزو أصحاب هذه المدرسة هذه المدة الطويلة التي يتطلبها استشفاء الاقتصاد العالمي إلى أن جذور الأزمة الراهنة أعمق وأعقد من أن تحل عبر ضخ السيولة أو دعم المؤسسات الاقتصادية أو خفض نسب الفائدة وهي كالمسكن الذي لا يداوي السقم.
ويرى أصحاب هذه المدرسة أن الأزمة الاقتصادية العالمية لم تصل إلى أسوأ مراحلها بعد، وأن أبعادها لم تتضح بشكل كامل.
وتوقع العالم الأمريكي (جون كاستي) ان تستمر الأزمة المالية الراهنة وتداعياتها لفترة قد تصل إلى عشر سنوات كاملة وقال الأستاذ المتخصص في علم الرياضيات البحتة أمام المؤتمر الرابع لمستشرقي المستقبل الأوروبي في (لوتسرن) بسويسرا في أكتوبر 2008: "إن الأزمة الراهنة دقت المسمار الأخير في نعش العولمة" وتوقع كاستي أنه في الفترة بين عامي (2010 – 2018) ستنعدم الثقة تماماً في الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، كما توقع انهيار مؤشر داو جونز إلى ما دون 1000 نقطة، وأضاف أنه يتوقع أن ترتفع نسب البطالة في الولايات المتحدة وأغلب دول العالم إلى 25%.(
[9])
ويتابع "تحولت البورصة إلى ما يشبه الدب الضخم الذي عوده صاحبه على النهم في مأكولات لذيذة، وعندما لم يجد له ما يعطيه أطعمه مأكولات فاسدة، فتمرد الدب على صاحبه المخادع وابتلعه".
ويستند (كاستي) وأصحاب هذه المدرسة عموماً إلى علم الاقتصاد الاجتماعي ويحول التوجهات المختلفة للسلوك الإنساني إلى معادلات رياضية ثم يرصد التوقعات المحتملة لمسارها.
ويؤكد أصحاب هذه المدرسة أن الأزمة أزمة ثقة وأن الائتمان الفردي (بطاقات الائتمان) ستكون الحلقة الثانية في مسلسل تلك الأزمة.
المدرسة البراغماتية:
يراهن أصحاب هذه المدرسة على حزمة الإصلاحات المالية التي ستسلكها حكومات العالم وحكومة الولايات المتحدة على وجه الخصوص، ويتوقع أصحاب هذه النظرية انتهاء الأزمة في غضون ستة أشهر إلى سنة على أبعد تقدير، كما يعتقد أصحابها أن عملية التصحيح بدأت فعلاً، وأن الالتزام بالتدابير وتطبيقها على نحو فعال سيؤدي حتماً إلى نهاية الأزمة المالية، كما يعتقدون أن زيادة التشوهات في الأسواق المالية تزيد من حجم الفقاعة.
ويتوقع أصحاب المدرسة البراغماتية عدم تأثر القوائم المالية للشركات والبنوك العالمية والصناديق الاستثمارية، والشركات المساهمة العامة للربع الرابع من العام بشكل كبير بالأزمة ما سيمنح المستثمرين تطمينات وسيتم كسر الحاجز النفسي على المدى المتوسط.
وتأتي توقعاتهم باستقرار أسعار النفط عالمياً نتيجة قرار الأوبك الغير مسبوق بخفض إنتاج دول المنظمة 2.2 مليون برميل يومياً في أكبر عملية خفض دفعة واحدة في تاريخ المنظمة.
وأن اعتدال أسعار المواد الخام سيزيد فرص إنشاء مشاريع صناعية وعقارية جديدة وسيحفز الاستثمار فيها.
كما أن خفض سعر الفائدة من قبل الصناديق سيحل أزمة السيولة خلال أشهر معدودة خاصة بعد ضخ الفيدرالي الأمريكي 700 مليار دولار في عجلة الاقتصاد الأمريكي المتعثرة، وحذو الدول الأخرى حذوها. وقد قال (هنري بولتسن) وزير الخزانة في إدارة بوش "بأن الأنظمة المالية في الولايات المتحدة شهدت تحسناً في الأسابيع الأخيرة من شهر نوفمبر 2008م".
وتابع: بأن نظامنا بات أقوى وأكثر استقراراً مما كان عليه قبل أسابيع قليلة نتيجة الخطوات التي اتخذتها الحكومات والبنوك المركزية حول العالم. وأضاف أن خطة الإنقاذ المالي التي رصد لها الكونغرس مبلغ 700 مليار دولار بدأت تأتي أكلها.
لكنه أردف أن النظام ما زال هشاً وهو يجابه نكسات اقتصادية ووهن في المؤسسات المالية التي ما زالت تعاني من موجودات وأصول فاسدة في بيانات ميزانياتها.
المدرسة التفاؤلية:
ويرى أصحابها أن الأزمة الحالية ليست سوى تصحيح لمسار السوق المالي والإنتاجي على حد سواء، وأن العملة الجيدة ستطرد العملة الرديئة من التداول ويضيف أصحاب النظرية التفاؤلية أن هذا المخاض لن يدوم أكثر من أسابيع معدودة وأن إرهاصاته تعد دورة طبيعية في مسار الاقتصاد الحر.
وينظر أصحاب هذه المدرسة بعين الرضا عن مسارات التصحيح والتي ستؤدي بزعمهم إلى ضخ دم جديد في عروق النشاط الإنتاجي عبر خفض أسعار المواد الأولية ونهوض الاقتصاد من كبوته.
ويؤكدون على عدم المساس بآلية السوق الحر، وأنه سيعدل نفسه تلقائياً، ويعارضون تدخل الحكومة في إنقاذ الشركات والمصارف المفلسة أو الآيلة للسقوط، ويؤيدون إقراض الشركات والبنوك ذات الربحية فقط في مواجهة الأزمة.
يقول أصحاب هذه المدرسة أن إيمانهم مطلق بآلية السوق، وان الفساد في المؤسسات المالية لا يفسد مقولتهم.
ويدلل أصحاب هذه المدرسة على صدقية نظريتهم بالقول إن ما يحدث ليس بجديد بل هو كساد شهده العالم خلال القرن الماضي أكثر من مرة والمستفيد هو الذي يستثمر ما ينتجه هذا الكساد من فرص.
أخيراً وليس آخراً فإن هذه السيناريوهات الثلاث جميعها واردة وما سيؤكد صدقية أحدها وما سيحسم هذا الجدل كشف الأرقام المتعلقة بإجمالي الناتج المحلي للولايات المتحدة للربع الرابع من العام 2008 كي تبرز حقيقة حجم المشكلة، وبالدرجة الثانية البيانات المالية لكبرى المؤسسات المالية للربع الرابع عندها سنشير إلى المدرسة المحقة في نظريتها بإصبع اليقين.

خامساً: تأثير الأزمة المالية على الاقتصاد السعودي
ما من شك أن الأزمة المالية ستطاول الاقتصاد السعودي بوضعه مرتبطاً مع الاقتصادات العالمية، ولن يكون بمنأى عما يحصل في وول ستريت وغيرها من الأسواق العالمية.
وقد كان للإجراءات التي اتخذها المجلس الاقتصادي الأعلى ومن خلفه مؤسسة النقد العربي السعودي من أخذ الاحتياطيات اللازمة الأثر الأكبر في طمأنة السوق، ويعتقد المحللون أن أثر الأزمة في اتجاهاتها المختلفة محدود أو يبدو محدوداً حتى هذه اللحظة، ولنتناول بمزيد من التفصيل تلك الاتجاهات:
تأثير الأزمة على النظام المصرفي:
أظهرت الأزمة المالية محدودية تأثيرها على المصارف السعودية حيث لم تظهر أي مشاكل تذكر في حقل السيولة، لأن أغلب استثماراتها آمنة من المخاطر وأغلب خطوطها الائتمانية محلية وقد تطالها بعض الخسائر من استثمارات عقارية خارجية لكن تلك الخسائر محدودة بالنظر إلى حجم تلك الاستثمارات المحدود.
وما يزيد متانة الوضع المصرفي السعودي تمتع أغلب المصارف السعودية برساميل عالية وملاءة مالية تصل إلى قرابة 12% وهو ما يفوق متطلبات بازل1 وبازل2 والتي وضعت معدلاً موحداً لكفاية رأس المال كحد أدنى 8% للعلاقة بين رأس المال بمفهوم أكثر شمولاً من ناحية وبين الالتزامات والأصول الخطرة مع إتاحة الحق لأي دولة بأن تكون أكثر تشدداً.
وأعلنت في هذا الإطار البنوك السعودية الست الكبرى أنه ليست لديها أي مراكز مباشرة في رهون عقارية أمريكية.
وكان نائب محافظ البنك المركزي محمد الجاسر قال: (إنه لا حاجة إلى تقديم تمويل طارئ للبنوك في المملكة نظراً لأن القطاع المالي لا يواجه أي نقص في السيولة).
خلاصة القول أن النظام المصرفي لا يعاني أية اضطرابات في ضوء ما سبق مع ضرورة توخي الحذر من تذبذب أسواق المال المحلية.
تأثير الأزمة على النظام الاقتصادي في المملكة:
هذا هو التحدي الأكبر الذي يواجه المملكة التي تبلغ نسبة دخل صادراتها من النفط 89% تقريباً من إجمالي إيرادات ميزانيتها حسب ما أظهرته ميزانية 2008/1429هـ.
تظهر ميزانية المملكة للعام 2008 إجمالي إيرادات المملكة في هذا العام تريليون و100 مليار ريال سعودي، وقد حققت هذه الميزانية فائضاً قياسياً 590 مليار ريال كأعلى فائض في تاريخ المملكة. (
[10])
ولا شك أن الكساد الاقتصادي العالمي وهبوط الطلب على المواد الأولية وفي مقدمتها النفط سيلقي بظلاله على إيرادات العام 2009 إن لم تحدث ردات فعل مغايرة، فتقديرات موازنة 2009 تشير إلى اعتماد متوسط السعر المتوقع لبرميل النفط ما بين 30-40 دولاراً مع خفض الإنتاج من 9.2 مليون برميل / يومياً إلى 8.4 مليون برميل /يومياً، التزاماً بمستويات الإنتاج المستهدفة لأوبك لشهر نوفمبر 2008م. وبنظرة موضوعية نجد أن إيرادات العام 2009 المتوقعة تقل بنسبة 40% عن إيرادات العام 2008م المحققة.
بينما نجد أن الإنفاق العام في العام 2008 بلغ 510 مليار ريال مقابل 475 مليار ريال حجم الإنفاق المتوقع للعام 2009، بخفض لا يتجاوز 6.9% فقط عن العام 2008م.
وفي استقراء لتلك الأرقام يبدو النفس الهجومي باتجاه الإنفاق العام لتحريك عجلة الاقتصاد، وعدم الاستسلام للضغوط والانكماش الاقتصادي، وبرأي أغلب المحللين فإن السياسة الاقتصادية التي تتبعها المملكة قد خففت الكثير من الأعباء عن المواطن وجعلته في منأى عن التجاذبات في الأسواق العالمية.
ولكن وللموضوعية في الطرح فإن إطالة مدة الكساد العالمي عند مستوياته الحالية، وبقاء أسعار النفط حول مستوى الخطر ينذر بعواقب لن تكون سهلة في زيادة أعباء الدين العام وفي التأثير المباشر على خطط الاستثمار في البنى التحتية للمملكة.
ويبدو عجز موازنة 2009م والبالغ 65 مليار ريال غير ذي بال وقد يغطى إما عن طريق فائض متوقع لميزانية 2009 أو عن طريق الاحتياطيات التي كونتها الدولة خلال السنوات الثلاث الفائتة.
باختصار فإن مسار الأزمة العالمية الحالية وتعافي السوق وعودة أسعار النفط إلى مستويات ما فوق 60 دولاراً للبرميل سيكون له تأثير إيجابي على نسبة النمو في المملكة وإلا فإن نسب النمو آيلة إلى الانخفاض لا محالة. وهنا يكمن التأثير المباشر للأزمة على مفاصل الاقتصادي السعودي.
إذاً فالاستثمار الآمن وترشيد الإنفاق عنوان المرحلة المقبلة للمملكة واقتصادها إن أرادت تخطي عتبات تلك الأزمة دون المساس بمقدراتها.
ويبدو أن الحكومة بدأت بنفسها حيث انخفضت نسبة الدين العام الحكومي إلى 13.5% وفق ميزانية 2008 مقابل 18.7% في العام 2007
إن خسارة برميل النفط لـ110 دولارات من قيمته خلال خمسة أشهر فقط من يوليو إلى ديسمبر 2008 لا يمكن أن نهمل تأثيره على مشاريع التنمية المستدامة ولا على المسار الاقتصادي للمملكة ، فخسارة المملكة لأكثر من مليار دولار يومياً تقريباً جراء انخفاض أسعار النفط وخفض الإنتاج لا يمكن تجاهله في اقتصاد ما زال يعد وحيد الجانب من وجهة نظر الاقتصاديين.
وهذا ما يبرر ما ذهبنا إليه من أن زيادة الاستثمارات الآمنة في القطاعات غير النفطية، وترشيد الإنفاق قاعدتان ذهبيتان يجب توجيه الطاقات إليهما في الفترة القادمة، على أمل أن يستفيق الاقتصاد العالمي من غفوته.

سادساً: المعالجة وحدودها
إن ما يميز هذه الأزمة عن سابقاتها فضلا عن كونها عالمية ، هو سرعة تحرك المجتمع الدولي لإيجاد الحلول لها والخروج منها .ولا أدلّ على ذلك من تحويل جميع دول العالم لمنتدياتها ومؤتمراتها لفك العقدة المالية المخيفة .
فها هي دول الإتحاد الأوربي تدرس إنشاء نظام مشترك لضمان الودائع المصرفية، بينما يؤكد رئيس الوزراء الروسي على ضرورة التحرك العاجل ضد من اتهمهم بانعدام حس المسؤولية لديهم .
بينما أكد الرئيس الأمريكي بوش أن حل الأزمة الحالية في أسواق المال مهمة عالمية، واستنفرت الجمعية العامة للأمم المتحدة وعقدت اجتماعا رفيع المستوى بالجمعية العامة ضم خبراء اقتصاديين لتدارس حلول للأزمة وترأسه الخبير الاقتصادي (جوزيف ستيفلنز) الحائز على جائزة نوبل للاقتصاد عام 2001م لمراجعة النظام المالي العالمي .
وحثّ (ميغل داكوستا) رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي دعا إلى هذا الاجتماع المجتمع الدولي على القيام بإصلاح جذري للنظام المالي العالمي والمساعدة على استعادة ((الثقة المفقودة)) بسبب الجشع والفساد الذين أديا إلى توليد الأزمة الراهنة .
ودعا (ستيلفنز) إلى إصلاحات مالية بعيدة المدى لتحسين الاستقرار مشيرا إلى أن تلك الإصلاحات يجب أن تشمل نظام الاحتياطي النقدي العالمي، ووضع آلية لإعادة هيكلة الديون السيادية ، وخلق هيئات متخصصة في وضع تشريعات مالية وتطوير أسواق السندات بالعملات المحلية، ودعا لدور رقابي أوسع للأمم المتحدة ووكالاتها في الإشراف على المؤسسات المالية الدولية.
كما سارعت الدول على رسم خطة إنقاذ مكلفة تقوم على شراء الديون العقارية الهالكة، وترسم خطة الإنقاذ الأمريكية التي أقرّها مؤخرا مجلس الشيوخ مهلة لهذه الخطة تنتهي في 31/12/2009م، مع احتمال تمديدها بطلب من الحكومة لفترة أقصاها سنتين اعتبارا من تاريخ إقرار الخطة وتفاصيلها كالتالي:
1. السماح للحكومة الأمريكية بشراء أصول هالكة بقيمة 700 مليار دولار مرتبطة بالرهن العقاري.
2. يتم تطبيق الخطة على ثلاث مراحل، بإعطاء الخزينة صلاحية شراء أصول هالكة بقيمة تصل إلى 350 مليار دولار كمرحلة أولى، على أن تشمل المرحلتين الثانية والثالثة عمليات شراء أصول ودعم سيولة.
3. تساهم الدولة في رؤوس أموال وأرباح الشركات المستفيدة من هذه الخطة بما يسمح بتحقيق أرباح إذا تخطى السوق أزمته.
4. رفع سقف الضمانات للمودعين من 100.000دولار إلى 250.000 دولار لمدة عام كامل.
5. يكلف وزير الخزانة بالتنسيق مع السلطات والمصارف المركزية في الدول الأخرى لوضع خطط مماثلة.
6. منح إعفاءات ضريبية تبلغ قيمتها 100 مليار دولار للشركات.
7. تحديد المكافآت المالية لمسئولي الشركات والبنوك الذين يستفيدون من التخفيضات الضريبية بـ 500.000 دولار كحد أقصى.
8. يشرف مجلس مراقبة على تطبيق الخطة، ويضم رئيس الاحتياطي الفيدرالي ووزير الخزانة، ورئيس الهيئة المنظمة للبورصة، ومكتب مالي محايد، لمراقبة عمليات شراء الأصول والتدقيق فيها.
كما أقرت دول مجموعة اليورو الأوربية خطة إنقاذ مشابهة في توصياتها لما أقره الكونغرس الأمريكي.
وباختصار فإن أدوات الحل المتاحة ذات الأعراض الجانبية بعيدة المدى كان شراً لابد منه، ويمكن تقسيم أدوات الحل إلى قسمين:
أدوات منظورة: وتشمل:
- خفض نسبة الفائدة.
- ضخ السيولة.
- مشاركة حكومية في رساميل الشركات المتعثرة.
- ضمان الودائع.
وأدوات بعيدة المدى: وتشمل:
- إخراج المنتجات ذات التعقيد الائتماني من التداول.
- زرع الثقة في نفوس المستثمرين بآلية النظام المالي الجديد.
- البحث عن أطر جديدة، وأطروحات اقتصادية مختلفة.
ولا شك أن طرق المعالجة ترتكز على البدء في معالجة التداعيات والنتائج أولا، والعودة إلى جذور المشكلة لانتزاعها لاحقا، لأن الانهيارات المتسارعة التي عصفت بالأسواق المالية العالمية أجبرت صانعي القرار على إتباع طريقة (FLASH BACK) في الحل، أي الحل العكسي للأزمة بدءا من النتائج وانتهاءً بالمسببات.
وبالنظر إلى الأدوات بعيدة المدى يطفو على السطح ضرورة طرح النظام المالي والاقتصادي الإسلامي ومفاهيمه كبديل موات، ولكن كيف ولماذا؟!
في هذا الخضم الواسع من الجدل حول آلية السوق، وعودة التدخل الحكومي في الاقتصاد، أصبحت الظروف مواتية أكثر من أي وقت مضى لبيان وتوضيح الفكر الاقتصادي الإسلامي، فمن يمثلون عقلاء العالم اليوم حائرون وهائمون، وعلى الاقتصاديين الذين يحملون لواء الاقتصاد الإسلامي أن يدلوا بدلوهم بإيجابية وشجاعة.
إن دور الدولة في النشاط الاقتصادي وحدوده قد أخذ حيزا واسعا في النظرية والتطبيق، فهناك من رفض التدخل الحكومي بتاتاً، فجعل من الدولة حارسا للمصالح رافعا شعار الحرية الاقتصادية والمنافسة لتحقيق أهداف المجتمع.
وهناك من أيد التدخل الحكومي الكامل فجعل من الدولة متدخلة في كل شيء فأصحاب الرأي الأول يرون في الدولة حارسا لقواعد اللعبة الاقتصادية، أما أصحاب الرأي الثاني فيرون في دور الدولة اللاعب الأساسي بل الوحيد ربما وقد فشل التطبيق الشمولي والمتدخل فشلا ذريعاً في نهاية القرن الماضي بخروج هذا الأنموذج نهائيا من السوق.
والأزمة المالية العالمية التي نشهدها هذه الأيام تعلن بداية ترنح أنموذج الحرية الاقتصادية المطلقة، بعد أن عجزت محددات السوق عن التحكم الذاتي بنفسها.
وحتى في إطار المعالجات للأزمة فقد اقترب سعر الفائدة لدى الاحتياطي الفيدرالي من الصفر تقريباً، بينما وصل في اليابان إلى الصفر % بالفعل وهذا يعني بمقارنة بسيطة نبذ الفائدة الربوية والخضوع لقواعد الشريعة الإسلامية قسراً تحت ضغط السوق.
أما عمليات الشراء الحكومي لأصول المؤسسات المتعثرة والتي تمثل العمود الفقري لخطة الإنقاذ الأمريكية، رغم مرارتها إلا أنها أيضا تشير إلى قواعد النظام المالي الإسلامي القائم على المشاركة في الربح والخسارة.
ومن ضمن الحلول للأزمة والتي أقرتها إدارة (بولتسن) وقف العمل بجدولة الديون بسعر فائدة أعلى، وهو أيضا عودة لقواعد النظام الاقتصادي الإسلامي فقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الجاهلية: (أتقضي أم تربي؟).
وإذا عدنا قليلا إلى أسباب عالمية الأزمة وهي تحويل القروض إلى سندات قابلة للتداول، وانتشارها في صناديق الاستثمار، وخزانات البنوك فنجد أن من المحرمات في الشريعة الإسلامية بيع الدين بالدين . ولقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن (بيع الكالئ بالكالئ) أي بيع الدين بالدين.
أخيراً يقوم النظام المالي والاقتصادي الإسلامي على مبدأ التيسير على المقترض الذي لا يستطيع سداد الدين لأسباب قهرية يقول الله تبارك وتعالى: (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة، وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون) [البقرة: 280].
بينما يرى محللون اقتصاديون محايدون أن الاقتصاد الإسلامي لم يطرح كنظرية متكاملة، وكنظام له قواعده وأسسه ومنطلقاته ليصبح نظاماً جاهزاً للعرض، ودعوا إلى بلورة هذه الأسس في نظام شامل يسهل تسويقه عالمياً.
يتساءل (بوفيس فانسون) رئيس تحرير مجلة (شالونج) (
[11]) في افتتاحيتها مخاطباً (البابا بنديكت السادس عشر): "أظن أننا بحاجة أكثر في هذه الأزمة إلى قراءة القرآن بدلاً من الإنجيل لفهم ما يحدث بنا وبمصارفنا لأنه لو حاول القائمون على مصارفنا إحترام تعاليم القرآن وأحكامه، ما حل بنا ما حل من كوارث لأن النقود يا سيدي لا تلد النقود".
وكتب (رولاند لاسكين) (
[12]) رئيس تحرير صحيفة (لوجورنال فينانس) في افتتاحيته في الصحيفة المتخصصة: (هل تأهبت وول ستريت لاعتناق مبادئ الشريعة الإسلامية)، وذلك في معرض تعليقه على الأزمة المالية.
وقد آثرنا التطرق بإيجاز للشريعة الإسلامية ونظامها الاقتصادي الخاص لأن الخوض فيه يحتاج إلى بحث مستقل.

خاتمة
في نهاية هذا البحث الذي حاولنا فيه ، إماطة الأقنعة عن الوجوه المستترة للأزمة، بغية استغلالها على الوجه الأمثل ففيها من الإيجابيات التي قد تحد من خسائرها ما يكفي.
كما أنها الفرصة المواتية حقاً لعلماء الاقتصاد الإسلامي لصياغة نظرية الاقتصاد الإسلامي صياغة علمية فقهية تحاكي أدوات العصر، ومقبولة التسويق.
وإن التقصير في ذلك لهو تقصير في خدمة خاتمة الرسائل السماوية وتبليغها وهدر للفرص التي قد لا تتكرر.
وأخيراً فملخص بحثنا ما يلي:
"أن جحا تعرض لنقص في المال، فقال لزوجته: سأبيع حماري للسلطان على أنه سيتكلم بعد خمس سنين، فقالت له زوجته: حمار يتكلم؟؟! ذهب جحا ولم يعر كلام زوجته اهتماماً إلى السلطان وأقنعه بأن فترة تدريب 5 سنوات كفيلة بأن تجعل حماره يتكلم وأقنعه بالشراء.
فأعطاه السلطان قيمة الحمار المتكلم مبلغاً ضخماً، وأنذره بأنه بعد انقضاء السنين الخمس إن لم يتكلم الحمار فإن رأس جحا هي الثمن.
ذهب جحا إلى زوجته ومعه النقود، وأخبرها بما حدث فخافت عليه، فقال لها جحا قولته المأثورة: "وهل ضمنتي ألا أموت أنا أو يموت السلطان أو يموت الحمار".

وصلى الله على نبينا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه أجمعين،،


قائمة المصادر

· CNN ECONOMY النشرة الصادرة في 18/11/2008م
· France ch موقع قناة فرانس 24
· وكالة أنباء الشرق الأوسط
· مقال د. أنس فيصل الحجي – أكاديمي وخبير شئون النفط في جريدة الاقتصادية بتاريخ 23/9/1429هـ
· موقع وكالة رويتز.
· موقع داو جونز.
· موقع إسلام أون لاين – مقالة تعليم د. حسين شحاته.
· موقع دار المشورة – قسم البورصة.
· صحيفة الصنداي تايمز في عددها الصادر 23/10/2008م
· مجلة فوريس
· تقارير صندوق النقد الدولي.
· صحيفة The Time.
· كتاب (ضوابط الاقتصاد الإسلامي في معالجة الأزمات المالية العالمية) للدكتور سامر مظهر قنطقجي – دار النهضة.


(1) موقع CNN العربي (www.cnnarabic.com) في معرض التعليق على قمة بروكسل.
(1) ، (2) ، (3) ، (4) ، (5): نقلاً عن موقع الموسوعة الحرة (ويكيبيديا).
(1) ، (2) ، (3) ، (4) ، (5) ، (6): نقلاً عن موقع الموسوعة الحرة (ويكيبيديا).
(1) ، (2): نقلاً عن موقع الموسوعة الحرة (ويكيبيديا).
(3) : وثائق ومحاضر اتفاقيتي بازل1 ، وبازل2 والمنشورة على مواقع الإنترنت.
(1) ولد في باريس 1983 ، أسس موقع مالي باسمه (Thomas Gùenolē) ، وأورد تحليله المبسط على موقعه على الإنترنت.
(1) : عدد الصنداي تايمز الصادر يوم 5 أكتوبر 2008.
(1) : تقرير مركز الدراسات الاشتراكية للعام 2008، وتحقيق المعلومة من BBC.ARABIC.COM.
(2) : وكالة رويتز بعد نقل تحذير الشركتين من أن سيولتهما انخفضت إلى الحد الذي لا يفي بمواصلة أنشطتهما.
(1) : وكالات الأنباء، وحديثه لقناة الجزيرة، جون كاستي: باحث في مؤسسة راند، وجامعة أريزونا، من أشهر مؤلفاته: (خماسي كمبريدج، أكبره نظريات أثرت على القرن العشرين).
(1) بيانات ميزانية 2008 المعلنة في موقع وزارة الاقتصاد، وهي تمثل أرقام واقعية، وبيانات موازنة 2009 وهي تمثل الأرقام المتوقعة.
(1) صحيفة فرنسية يرأس تحريرها (فانسون) والافتتاحية في يوم 11 سبتمبر 2008 تحت عنوان (Lē Pá Pē Ou Lē Coran) أي (البابا أم القرآن).
(1) Roland Laskine : رئيس تحرير الصحيفة الفرنسية الاقتصادية الأشهر في أوربا (Le Journal des Finances) في عددها الصادر 28 سبتمبر 2008.
2 تعليقات
  1. Anonymous Says:

    لافض فوك أجمل بحث رأته في موضوع الأزمة الاقتصادية... وفتح الله عليك
    thabit-m@hotmail.com


  2. Anonymous Says:

    لافض فوك، حيقة من أجمل ما قرأت في ما يخص موضوع الاقتصاد العالمي، وفتح الله عليك
    thabit-m@hotmail.com


إرسال تعليق

بلدان زوار المدونة

free counters