غالب البنا

مازلت أذكر سنوات الطفولة التي تدغدغ ذاكرتي الخصبة بين الفينة والأخرى بمزيد من الحنين والدفء ، وكأني بي عدت 3 عقود ونيف الى مقاعد الدراسة الأولى وتتراءى أمامي بعض تلك المشاهد التي تنضح براءة قبل أن تلوثنا هموم الدنيا وكدرها ، هي مشاهد واقعية عشتها يومها بتفاصيلها دون أن أمتلك أدوات التعبير عنها آنذاك ..

المشهد الأول :

المكان : مدرسة الكلية .

الزمان : في الصف الرابع من المرحلة الابتدائية .

أبطال المشهد : أنا ومدرس التربية الدينية وزميلي (م .م) .

الحدث :أذكر يومها مدرس التربية الدينية الفاضل وهو يتحدث عن حديث رسول الله (أد الأمانة الى من ائتمنك ولا تخن من خانك ) وكيف ضرب لنا أمثلة تناسب سنين عمرنا المعدودة حول فضل الأمانة عند الله وكيف كان رسول الله يلقب في قريش حتى قبل نزول الوحي بالصادق الأمين ، وكيف صور لنا صورا عن الأمانة كأن يسلم التلميذ المال الذي يجده في المدرسة للمدرس المسئول ليسأل عن صاحبه أو اعادة الكتاب المستعار الى مكتبة المدرسة وما الى ذلك من صور الأمانة بمفهومها الضيق الذي يوازي محيطها محيط أسوار مدرستنا .

ردة الفعل : بعد ثلاثة أيام وفي الحصة التالية من حصص التربية الدينية ، وبعد بدء الحصة بقليل قمت فسلمت مدرسي قلما ادعيت أنني وجدته أسفل مقعدي فشكرني وطلب من التلاميذ التصفيق لي على أمانتي ، ثم رفع القلم الى أعلى ليسأل عن صاحبه ، ليقوم زميلي (م.م ) ويدعي بأنه صاحب القلم ويستلمه من المدرس ، عدت الى مقعدي ونظرات الحنق توغل صدري على هذا المدعي الكاذب ،وها أنا ذا أعترف بعد ثلاثين عاما بأن القلم لم يكن الا قلمي ..


المشهد الثاني :

المكان : مدرسة الكلية .

الزمان: الصف الثاني الابتدائي - حصة القراءة والنشيد .

أبطال المشهد : أنا والمعتصم ومعلمة القراءة والنشيد .

الحدث : أذكر تلك المنافسة المحمومة بيني وبين زميلي المعتصم على نيل الدرجات الكاملة ، وعلى الحصول على الاطراءات المغرية من المدرسين ، وكم كانت سعادتي غامرة يوم تأتأ ولأول مرة في قراءة أحد الدروس بينما أجدت قراءتها بسلاسة ونلت سيلا من المديح من مدرسة القراءة (ماريا) وأذكر نظرات المنتصر التي كنت أرمقه بها بعد كل كلمة مديح توجه لي ، بل ما زلت أتذكر نظرته الساخرة بحرقة عندما قرأت مدرسة العلوم الدرجات وكانت درجته كاملة بينما حذفت لي يومها نصف درجة !!
أذكر تلك الحصة الدرسية ونحن كلانا فقط من حفظ قصيدة (ماما ماما يا أنغاما) عن ظهر قلب ، كيف قام واستثار المدرسة بتعابير يديه ووجهه وهو يسرد تلك القصيدة على مسامعها مصحوبة بحركات حسية حاول فيها أن يثبت علو كعبه !!

جاء دوري وللأمانة فلم أستطع أن أحاكي حركات (المعتصم) المسرحية ، وبدأت بترديد القصيدة وما ان انتهيت حتى قلت : "بقلم الشاعر سليمان العيسى " ، كانت اضافة لم يسبقني لها أحد أذهلت المعلمة ، فلم يكن مطلوبا منا أن نحفظ اسم الشاعر ولكنها حذاقة غالب هذا الولد المفعم بروح التميز والتحدي .

أيها الآباء .. أيتها الأمهات .. أثلجوا صدور أينائكم وبناتكن بالثناء الحسن ، فالمديح زهرة اصطناعية تتفوق رائحتها في أنف الطفل على عبير أجمل ورود هولندة الطبيعية .

1 Response
  1. غير معرف Says:

    oui c'est juste


إرسال تعليق

بلدان زوار المدونة

free counters